Menu المؤتمرات الاستعجالية وعابروهامواضيع للبحثلماذا هذا الموقع؟كيف يمكن أن نتجاوز إشكالية الكمي والكيفي في تحليل المضمون؟كيف أُدِير قطاع الإعلام بالحيلة في الجزائر؟ إصدار جديدمكونات الإطار المنهجيOUVRAGES DE MÉTHODOLOGIEكتاب مترجمالمسار المنهجيإصدار جديدالتفكير القبلو- مبحثيالمجلات العلمية المحكّمة في جامعتناالرأي العام الجزائريابن خلدون و مدرسو فرانكفورتمواقع التواصل الاجتماعي و الرأي العامنظرية التأطير و بحوث الاعلامالإرهاب و إشكالية العمل الإعلاميLa théorie du complotمنهجية من نوع آخر للتأمل Aléatoire العينات الاحتمالية اسلوب البحث العلميالأطر الخبرية لقضايا الإرهاب لإعلام و التصدي لظاهرة الإرهابعيوب العينات غير الاحتماليةتنظيم البيبليوغرافية في نهاية البحث.المشكل و الإشكاليةوسائل الإعلام و القيم.وسائل الإعلام و التنشئة السياسيةوسائل الإعلام و السلطةالاتصال و الإعلام، علم و مفاهيمdéfinir une problématiqueمفاهيم مختلفة لوظائف منهجية مختلفةمواقع التواصل الاجتماعي

كيف يمكن أن نتجاوز إشكالية الكمي والكيفي في تحليل المضمون؟

كيف يمكن أن نتجاوز إشكالية الكمي والكيفي في تحليل المضمون؟*.

How can we overcome quantitative and qualitative problems in content analysis?

الأستاذ الدكتور تمار يوسف

كلية علوم الإعلام و الاتصال

 

 

 

    Abstract: It is no longer necessary to prove that the technique of content analysis in the humanities and social sciences and especially in information and communication science, become a highly answered technique in the research methodology, especially after the emergence of new forms of content with the advent of new communication technologies.

The appearance of content analysis has cast a lot of anchor, between those who believe in the quantitative approach, and those who see in the qualitative approach more appropriate to study phenomena as complicated as social phenomena, as well as few of them have thought of a possible complementarity between the two approaches, this is what we will try to spread in this article.

Keywords:Content analysis; Qualitative; Quantitative; Complementarities; Information and communication sciences..

 

الملخص:

لم تعد البرهنة على أهمية تقنية تحليل المضمون في العلوم الإنسانية والاجتماعية بصفة عامة وفي علوم الإعلام والاتصال بصفة خاصة مطروحة، ذلك أن هذه الأخيرة أصبحت تنتج مضامين خاصة تجعلها غير تلك التي عهدناها في الكتابات الأدبية أو الفلسفية، ومنه )اختُرعت(لها مناهج وتقنيات خاصة، من بينها تقنية تحليل المضمون التي أسالت الكثير من الحبر منذ ظهورها، إلى أن استقرت نسبياً في الاعتراف بها كتقنية جد مهمة في مقاربة المضامين – مهما كان شكلها – و الوصول إلى نتائج قادرة على الإجابة عن الكثير من التساؤلات التي تحملها.

لكن يبدو أن هذه التقنية لا تزال تطرح الكثير من التساؤلات حول بالخصوص طابعها الإمبريقي والنوعي الذي انقسم حوله الكثير من الخبراء لكل مبرراته ورؤيته المنهجية، لكن القليل منهم من فكر في إمكانية التزاوج بين تلك المقاربتين في الكثير من الدراسات و البحوث، وهذا ما سنحاول طرحه في هذه العجالة.

الكلمات المفتاحية:تحليل المضمون؛  التحليل الكمي؛  التحليل الكيفي؛ ازدواجية الاستعمال؛ أبحاث الإعلام و الاتصال.

 

 

مقدمة:

تُعد تقنية تحليل المضمون أو تحليل المحتوى، من التقنيات التي تتعرض وفي الكثير من الدوائر العلمية والمجالات المعرفية والمنهجية، إلى انتقادات متفاوتة الموضوعية، إذ بعضها مؤسس علمياً، بينما بعضها الآخر نابع من قلة المعرفة المنهجية بهذه التقنية و أصولها.

تحليل المضمون هو تقنية من تقنيات البحث تُستعمل عادة في دراسة وتحليل الرسائل والخطب التي تدخل في عنصر الرسالة في العملية الإعلامية الاتصالية، حيث يبحث عن المعنى الذي تحمله المادة الإعلامية سواء كانت تتناول مواضيع سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية .. (سوزان القليبي، 1997: 143) ويكون البحث عن هذا المعنى عن طريق التحليل الكمي مصحوب بالتحليل الكيفي، كما قد يتطلب الوصول إلى تحديد هذا المعنى أيضاً، تحليل الشكل مصحوب هو أيضا بتحليل المضمون، كل ذلك هو الأساس المنهجي لتقنية تحليل المضمون.

فعلى التصنيف السابق، تعالت بعض الأصوات التي تشكك في هذه التقنية ومنه التشكيك في نتائجها، إذ بعضها يأخذ على بعدها الكمي، أنه لا يؤدي إلى تفسيرات موضوعية عن الظواهر، بل يلمسها بشكل سطحي ولا يذهب إلى أبعد من الحسابات والأرقام، وبعضها الآخر يرى أن البعد الذاتي في هذه التقنية، يترك المجال واسعاً للباحث لتفسير مضامين الظواهر  وفق توجهاته الشخصية، و انتماءاته المختلفة.

هكذا توالت الانتقادات على تقنية تحليل المضمون، لكن وهذا ما سوف نراه في آخر هذا المقال، الكثير من تلك الانتقادات لها ردود منطقية وعلمية تجعلها غير مؤسسة علمياً ومنهجياً.

نبدأ مقالنا هذا بالشك في صحة الانتقادات السابقة، فقد يوصلنا ذلك إلى موضوعية الطرح فيها، لذا نطرح الإشكالية التالية: إلى أي مدى يمكن اعتبار النتائج المحصل عليها بالاعتماد على تقنية تحليل المضمون في أي بحث علمي، نتائج موضوعية وذات مصداقية؟ هل يمكن المراهنة بهذه التقنية في دراسة مواضيع حساسة مثل تحليل الخطاب أو مضامين الحملات الإعلامية بمختلف أشكالها أو النصوص القانونية ..؟.

 

تعريف التقنية:

قلنا في غير هذا الموضع أن تحليل المضمون هو تقنية، والتقنية هي مجموعة من الأدوات يعتمدها الباحث عند مقاربته أي مضمون يريد استنطاقه، وفي هذا الشأن جاءت الكثير من التعاريف الخاصة بتحليل المضمون، تأكد على تقنية هذه الأداء نعرض بعضها، الأكثر تفسيرا في هذا الشأن، يرى موريس أنجيز Angers Mauriceأن تحليل المضمون ( تقنية من تقنيات التحليل، في إطار منهجي متكامل داخل العلوم الإنسانية والتي نشاركها وسيلة من وسائل جمع البيانات) (Angers Maurice, 2000 : 172)  في نفس الاتجاه، يرى كلوس كريبندورف Krippendorff Klausأن تحليل المضمون (من أهم التقنيات المستعملة في العلوم الإنسانية، فهي تستوعب المعطيات ليس كظواهر مادية ولكن كنصوص، وصور، وعبارات تحمل معاني ) (Krippendorff Klaus, 1980 : 18)، كما يمكننا إضافة تعريف آخر لهذه التقنية، أنها – حسب جون دوبونفيل  de bonville jean– تقنية من العائلة الخاصة لإجراءات جمع وتوصيف وتحليل البيانات (De bonville Jean, 2000 : 10)، من خلال هذه التعريفات وأخرى غيرها كثيرة، يتضح لنا أنه – تحليل المضمون – ليس منهجاً بقدر ما هو تقنية تعتمد على المعالجة النظامية لمحتويات المادة محل التحليل، بمعنى آخر أن تقنية تحليل المضمون، تعني الأسلوب أو الوسيلة التي يتبعها الباحث في عملية نقل المعاني و المفاهيم المحتواة في مضمون معين، من سلطة المحتوى إلى سلطة العرض و الفهم بما تتضمنه من كلمات أو عبارات أو إيماءات .. وذلك حسب طبيعة المضمون محل التحليل، فإذا كان المنهج هو إطار فكري معين لتفسير الظواهر، فإن التقنية هي الوسيلة التي تمكّن الباحث من التحرك داخل ذلك الإطار، وهذا ما يأخذه مفهوم تحليل المضمون في مقامنا هذا.

 

البعد الكمي في تقنية تحليل المضمون:

كلّ الأشياء أعدادٌ كما اعتقد فيثاغوروس،  يُفترض أن تحليل المضمون يتعامل مع مجتمع بحث أُنتج خارج الباحث فهو مستقل عنه، Les faits sociaux s’imposent et se construisent à l’extérieur de l’individu.   أي أن الباحث والظاهرة كيانان مستقلان عن بعضهما، بمعنى أن التعامل مع هذا المجتمع يكون بالجهل بخباياه الضمنية في البداية، ثم يستعمل تحليل المضمون قصد اكتشافها، و هنا يطرح الإشكال، هل هذا الاكتشاف يكون كمياً أم نوعياً؟.

للإجابة عن السؤال السابق، لابد لنا أن نحدد المقاربة الكمية التي نعنيها هنا فيما يخص تقنية تحليل المضمون، أي ما معنى أن تحليل المضمون هو تقنية كمية؟ معنى ذلك أن يستعين الباحث بما أنتجته العلوم الدقيقة على شاكلة الرياضيات والإحصاء وحتى الإعلام الآلي .. أي الدراسات التي تتقيّد بمعادلاتٍ ونماذج رياضية أوطرق قياس وتحليل محدّدة  )كالإحصاء وبناء النماذج الرياضية، مثلً، وتقنيات حسابية ورياضية) لمقاربة المضمون محل التحليل، مقاربة تعتمد على التكرارات والنسب والوسائط الحسابية المختلفة، و هي أدوات بحثية كما يقول ماك نمارا Macnamara قائمة على الضبط العلمي، والصرامة العلمية، ولاتتيح تدخل من قبل الباحث مثل تحليل المضمون،والدراسات التجريبية، وتحليل التراث العلمي كمياً   (Jim Macnamara, 1979 : 19) ، وهوما يُيسّر بحث الظاهرة دون تأثيرٍمنها في الباحث أو تأثيرٍمن الباحث فيها، ما يجعل القياس للمتغيرات المكوّنة للظاهرة وتحديد التأثيرالمتبادل بين هذه المتغيّرات يتمّ في إطارٍمن عدم التدخّل القِيَمي  (عبد الحي وليد، 2016: 16)، وقد كان هذا التوجه الصفة الأولى التي ميزة تقنية تحليل المضمون منذ بدايته، لنتذكر تعريف برسلونBerelson لهذه التقنية عام 1952، حيث قال أن تحليل المضمون هو ( تقنية بحث للوصف الموضوعي المنظم والكمي للمحتوى الظاهر للرسائل الاتصالية، الهدف منه التفسير ) (Bernard Berelson, 1952 : 18)، وقد انتشر هذا التوجه بشكل كبير في الدراسات الإعلامية الاتصالية على وجه الخصوص، فستُعمل لاستنطاق مضامين الدعاية في بدايته، وانتقل بعدها إلى كل المواد الإعلامية بشكل واسع فقد ذكرت رشا قمحاوي وويفرKamhawi and Weaverعلى سبيل الحصر، في دراسة حول اتجاهات بحوث وسائل الاتصال الجماهيري من 1980إلى1990 في الدوريات العلمية الأمريكية، والتي قامت عبرها بتحلل المناهج، والأدوات البحثية، والمداخل النظرية، أن الاتجاهات الكيفية لم تكن شائعة الاستخدام مقارنة بالاتجاهات الكمية، وعزت السبب في ذلك إلى تحيز الدوريات العلمية ضد الاتجاهات الكيفية ،فكانت نسبة البحوث الكيفية فيها 25.6 % والبحوث الكمية 71.9  % والبحوث المشتركة  2.5%، و حتى في البحوث الكمية،وجدت الدراسة أن مسوح الجمهورتمث لنسبة 33.3%، وتحليل المضمون 30  %،والبحوث التجريبية 13 % والمشتركة 3.1 %(Rasha Kamhawi, David Weavze, 2003 : 27).

للتحليل الكمي العديد من الإيجابيات وجد فيها مؤيديه الصرامة العلمية التي طالما كانوا ينادون بها في مقاربة الظواهر قبل الربط بين التقنيات الكمية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث كان الباحث يعتمد على استنباطات تكهنية وفق معايير ذاتية مبنية على الكيفية التي يرى بها الأشياء، فجاء التحليل الكمي ليراعى فيه:

  • تكون القياسات في التحليل الكمي أكثر دقة.
  • الأرقام يمكن أن تتعدى الإحساس المشترك.
  • القياسات قارة في الزمان و المكان.
  • المعطيات الكمية مستقلة عن الباحث.
  • البيانات تكون تمثيلية إذن يمكن تعميمها.

ورغم كل ما قيل ويُقال عن التحليل الكمي من موضوعية الاستعمال ودقة النتائج والتقليل من حدة تدخل الباحث وتحويلالبياناتوالظواهرإلىأوزانكمية، إلا أنه لم يسلك من الانتقادات مست إجراءاته الكمية ثم نتائجه السطحية، أهمها أن التحليل الكمي لا يذهب إلى السياقات التي تنتج الظواهر، فتكميم الظواهر قد يُبين الكل و يتغافل الأهم، Les statistique montrent tous, et cachent l’essentiel، بمعنى أن بين الظواهر والسياقات التي أنتجت فيها، علاقة اعتباطية غير مؤكدة، فقد تعني الكثير ولا تذهب إلى أصول الظاهر التي قد تتطلب دراسة أبعاد أخرى غير الأبعاد الرقمية، فليس كل الظواهر يمكن تكميمها، و عليه فقد لا يصلح التحليل الكمي في استظهار الأبعاد المختلفة التي أوجدت الظاهر محل الدراسة، أو على الأقل لا يكفي وحده لذلك.

لقد كان هذا النقد، صحيح إلى حد قريب، لكن التقنية تطورت بتطور وتشابك الظواهر، حيث لم يعد كافياً الاعتماد على التحليل الكمي فقط عند استعمال تحليل المضمون، إذ أصبحت هذه الظواهر – ومنها الظواهر الإعلامية الاتصالية – أكثر تعقيداً استدعت الحاجة العلمية إلى الاستعانة بعلوم و مناهج و تقنيات مساعدة لمحاولة تفسيرها وإعطاء أبعادها المرتبطة مع مختلف السياقات، فقد شهد تحليل المضمون، توسعاً في انتشاره على مجالات معرفية كثيرة أبدت اهتمامهاً بفعاليته على غرار الإثنولوجيا، والتاريخ، وطب الأعصاب، وعلم النفس، واللسانيات وعلم الاجتماع.. (Laurance Bardin, 1977 : 23)هذا الانتشار أنتج أبعاد ابستمولوجية ومنهجية جديدة لتقنية تحليل المضمون، فأضيف لها التحليل الكيفي لتفسير الأرقام و الأعداد و التكرارات في مجالات ترتبط بظهور الظاهرة وتشكّلها، والتحليل السيميولوجي وبخاصة الاتصال غير اللفظي الذي شهدت انتشاراً واسعاً من خلال دور الصور و الكاريكاتور والمواد الإشهارية وطبيعة تقديمها، والصور المتحركة و الثابتة .. لاستنطاق المعاني الكامنة وراء تلك الأرقام والدلالات اللازمة لذلك، وتحليل الخطاب عند تحليل البنية اللغوية لأي نص بالاعتماد على خصائص اللغة المُستعملة و بالإستراتيجيات الجدلية داخل الخطاب، كل ذلك مع استخدام التحليل الأسلوبيوالدلالي، وتحليل النصوص عند تناول الرسائل ومكوناتها اللغوية والنحوية والتركيبية من جهة، والكشف عنالأسبابأوخلفياتالرسالةالاتصاليةمنناحيةأخرى .. وبهذا نرى أن تحليل المضمون لم يعد تقنية كمية فقط، ربما في بداية استعماله كان الأمر كذلك، أما الآن فالتحليل الكمي يُعد عمادة هامة من أعمدة الأدوات التحليلية لاستنطاق المضامين، وعليه فنحن نرى أن النقد المقدم إلى البعد الكمي في تحليل المضمون، صحيح إلى حد ما، أي إلى الحد الذي يُستعمل بمفرده، فقد لا يؤدي الغرض المطلوب في فهم وربط الفئات بينها و بين السياقات الاتصالية التي يريدها صاحب المضمون.

 

البعد الكيفي في تقنية تحليل المضمون:

أرجع البعض استعمال المقاربة النوعية في تحليل المضمون إلى الباحث جورج حيث قام في عام 1959 باستكشاف الفروق بين الأساليب الكمية والكيفية، وتبنى الكيفية منها موضحاً فائدتها ومرونتها في تحليل عدد من الحقول مثل الدعاية وعلم النفس.. (وعد إبراهيم خليل أمبر، 2013: 151)، لكن الأمر يعود قبل ذلك مع الإنتروبولوجيين وعلماء الاجتماع، الذين ومع عشرينيات (Van Royen, 2007)القرن الماضي، حاولوا دراسة الإنسان في محيطه الطبيعي، المهم أن التواصل حدث يوم اتضح لهؤلاء جميعاً أن في التحليل الكيفي، ينطلق الباحث من وضعية حقيقية تحتوي على ظاهرة خاصة ينبغي فهمها وليس البرهنة عليها، أي محاولة إعطاءها معنى أبعد من ملاحظتها فقط، بل و أيضاً وصفها وتفسيرها عبر السياقات كما هي.

يعتمد التحليل الكيفي على مجموعة من الأدوات أهمها دراسة الحالة والملاحظة بالمشاركة والمقابلة وجماعات النقاش.. وذلك لجمع البيانات الكيفية، بهدف اكتشاف طريقة تفكير الفرد في بيئة معين وبمختلف الأبعاد، ليس هذا فحسب بل وملاحظة مختلف السلوكيات (الخبرات) و الأقوال (المعاني) التي قد يبديها الفرد في ظروف معينة وأوقات معينة، كما يمكن مسائلتهم عن طبيعة علاقاتهم بالظاهرة محل الدراسة لأن استجاباتهم  الذاتية تؤدي إلى تفسيرأكثرصدقاً كل ذلك بأسلوب سردي إنشائي يعتمد التعبير بعبارات وجمل توضح ماهية وطبيعة تلك الظواهر، وعلاقاتها المتداخلة مع بعضها.

أما في تقنية تحليل المضمون التي تعتمد أكثر على دراسة و تحليل الرسائل (مضامين) فإن التحليل الكيفي قد يأخذ طابع آخر دون الخروج على مبدأ الملاحظة والمشاركة ومحاولة تفسير السلوك والمعاني، ففي الدراسات الكيفية، يعتمد الباحث على أدوات غير معنية في تحليل المضمون كالمقابلة، وفي بعض الأحيان يمكنه الاستغناء حتى عن الملاحظة (أو على الأقل تأخذ معنى آخر) (أنظر التعليق رقم 1) ، ذلك لأن لهذه الأدوات فائدة أكثر عند دراسة الفاعلين أي بلغة الاتصال، مرسل الرسالة، أما تقنية تحليل المضمون فهي تعني بالرسالة أي ماذا قيل؟ وكيف قيل؟ في عناصر العملية الاتصالية، إذن ما هي طبيعة التحليل الكيفي المقصودة في تقنية تحليل المضمون؟.

أهمية المواضيع والكلمات والمفاهيم لا تكمن في التكميم، بل في الأهمية الخاصة والحداثة والوزن الدلالي التي تحملها مقارنة بالسياقات التي جاءت فيها، أما المعنى التقني الذي قد يحمله التحليل الكيفي في تقنية تحليل المضمون، فهو قائم على التفسير الموسع والاستدلالي لمعاني التكرارات والأعداد والنسب التي توصل إليها الباحث في محاصرة المضمون محل التحليل حصراً كمياً، في سياقات اجتماعية وثقافية .. التي جاء فيه المضمون، أي بمعنى آخر استخدام نتائج التحليل الكيفي في تفسيروشرح النتائج والمؤشرات الكمية، بأسلوب سردي إنشائي يعتمد التعبير بعبارات وجمل توضح ماهية وطبيعة تلك الظواهر، وعلاقاتها المتداخلة مع بعضها  (إبراهيم عامر قنديلجي، 2018: 40)، لكن الكثير من الطلبة والباحثين يقعون في خطأ اعتبار قراءة الجداول الإحصائية هي من التحليل الكيفي، هذا الأخير يُفترض أنه يتعدي المستوى القراءة الكمية إلى الشرح، يكون مصدرها من جهة البعد النظري الذي قد تحتويه الدراسة، ومن جهة أخرى ما يحتويه المحتوى محل التحليل من معاني وأفكار سواء كانت ظاهرة أو ضمنية يمكن استنتاجها بمعارف سياقية تؤدي المعنى الذي وصلت إليه الأبعاد الكمية فيما سبق.

ورغم ذلك فقد وقع التحليل الكيفي، هو الآخر في زوبعة الانتقادات التي ترى أنه غير قادر على أن يتجاوز البعد الذاتي للباحث باعتباره لا يتعدى الملاحظة الشخصية له، كما أن الاعتماد على تقنية الملاحظة، قد لا تكفي في تفسير ما قد تخفيه الكلمات و العبارات والأفكار التي يلاحظها الباحث ويجعل منها مصدر لتفسير الأحداث وإعطاء ها المعاني التي يُفترض أن تحملها، هذا النقد يكون غير صحيحاً إلى حد ما، أي عندما نعلم أن في تقنية تحليل المضمون، لا يعتمد الباحث على ملاحظاته الشخصية وتفاسيره من ما قد يحلله، بل ينطلق من التحليل الكمي السابق عنه، أي وكما قلناه في غير هذا الموضع، يُعد التحليل الكمي بالنسبة للباحث، المنطلق الذي يساعده في مقاربة المضمون مقاربة كيفية، وعليه فليس المقصود هنا – أي في تقنية تحليل المضمون – بالتحليل الكيفي، المقاربة الإثنوغرافية التي ينطلق فيها الباحث مما يجده عند احتكاكه بالظاهرة محل الدراسة و معايشتها، بل من معطيات كمية سبق وأن وصل إليها عندما اقترب من المضمون محل التحليل، مقاربة تعدادية و إحصائية.

أما السياقات التي في الكثير من الأحيان يُشار إليها في خصائص التحليل النوعي، فالمقصود بها في تقنية تحليل المضمون، ما جاء في إطاره المحتوى من أبعاد قد تكون ثقافية أو سياسية أو خطابية أو إشهارية أو دعائية .. أي تلك الأطر التي من خلالها يمكن للباحث فهم و تفسير البيانات الكمية ومعاني الفئات ووحداتها التي يحملها ذلك المحتوى، لأن ظهور الوحدات (كلمات أو عبارات أو أفكار ..) لا تكون لها معنى بالشكل المجرد الذي تظهر فيه، فإذا قلنا مثلاً أن كلمة ديمقراطية قد ظهرت 55 مرة في محتوى معين، فإننا لا ندرك المعنى الذي أراده لها صاحب المحتوى من خلال تلك النسبة فقط، ينبغي الرجوع إلى مختلف السياقات (صاحب الخطاب، وقت ظهور الخطاب، مناسبة الخطاب ..) وسوف نرى كيف يكون ذلك في ما تبقى من هذا المقال، ففي دراسة حول السياسةالإعلاميةالجزائريةفيمرحلةالتعددية السياسيةوالإعلامية، تقول صاحبتها أن موضوع بحثها يتطلب الاهتمام بسياقه السياسي و الاجتماعي والواقع الإعلامي وكذا مختلف أبعاد السياسة الإعلامية، من نصوص تشريعية وواقع الممارسة الإعلامية أو أبعاد اتصالية ومهنية وتكنولوجية وإنمائية، لأن هذه الأبعاد كما تقول في سياقها العام هي التي تعكس السياسة الإعلامية في أي بلد و تمثل جوانب الموضوع محل البحث (جاب الله حكيمة، 2015: 34).

 

التكامل قصد التأويل:

من المعنى السابق، يتضح أننا مع التزاوج  بين الكمي والكيفي في تقنية تحليل المضمون، الشيء الذي لم يتضح بعد للكثير الذين يظنون أن الدراسات الكمية والدراسات الكيفية في تناقض مستمر، إلا أن الأمر أكثر فائدة علمية عند استعمال النوعين في تفسير الظواهر، فالتحليل الكيفي يكون أكثر فعّالية عندما يعتمد على التحليل الكمي، مع أن المحلل إذ يلجأ إلى الإحصاء ،فإنه لايتخذ منه هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة تمكنه من التفسير بدقة، فهذا التكامل يظهر بشكل جلي عند استعمال تقنية تحليل المضمون.

وعلى الرغم من التشابه في بعض مفردات المنهجين  )الكمّي،والكيفي(، فإنّ مضمون كلّ مفهومٍ أم مفردة لا يتطابق مع نظيره في المنهج الثاني بالضرورة، فعندما نقول المصداقية  Validity  في البحث، فإنّها تعني لدى المنهج الكمّي التطابق بين ماخلص له البحث والظاهرة في الواقع، بينما تعني لدى المنهج الكيفي تطابق الواقع مع  (مايعتقده) الباحث، لذلك فإن هذا التزاوج بين التحليل الكمي والتحليل الكيفي في تقنية تحليل المضمون، يجعلان من كلتا التحليلين متكاملين إذ علمنا أن استعمال الأول يكون الغرض منه التحليل الظاهري للمحتوى محل الدراسة، و الثاني يختص بالتحليل الباطني له (Simon Laflamme, 2007 : 145)، والمقصود بذلك حسب إيميل بوسي ÉMILIE BOSSÉ أن المحتوى الظاهر يشير إلى المادة الخام التي تشكل موضوع التحليل والتي تركز مباشرة على ما قيل أو كُتب، أما المحتوى الباطن فهو يشير إلى العناصر الرمزية للمحتوى محل التحليل Emilie Bossé, 2012 : 37))،ويؤكد إدقار موران Morin, Eمن جهته أن استعمال التقنيتين سواء الكمية أو الكيفية، يسمح بالتجول السلس في محتوى مجتمع البحث  (Morin Edgar, 2005 : 171)، إذ أن إحداها تقوم بمراقبة ما وصلت إليها الأخرى.

كل المناهج والتقنيات المُستعملة في البحوث العلمية بما فيها تقنية تحليل المضمون، تهدف إلى الوصف والتحليل قصد الوصول إلى محاصرة الظاهرة وتفسيرها ومنه محاولة الوصول إلى نتائج تُفسر هي أيضاً سبب أو أسباب وقوعها، وعلى هذا الأساس فإن الوصف لا يمكن أن يكون فقط عبارة عن تقرير حول مجموعة المعطيات التي يجمعها الباحث عن ظاهرة معينة، دون أن يكون هناك تجميع و تنظيم و)تكميم(تلك المعطيات قصد تحديد توجهاتها، وإلا فتكون غير ذات فائدة، فالإضافات الكمية، تجعلها متناسقة ومتكاملة للوصول إلى نتائج دقيقة، طبعاً يتوقف ذلك على طبيعة وأهداف الدراسة، يقول Hervé Dumezهرفي دوماس في هذا الشأن)  من الصعب تصور دراسة حول مؤسسة أو حتى على الصيرورة الاجتماعية، دون استعمال الأرقام أو معطيات كمية أو وسائل التنظيم التي تنتجها وتستعملها ((Berry Moidon)، فلكل سلبياته كما رأينا ذلك سابقاً، التكامل من شأنه تجاوز تلك السلبيات بل أبعد من ذلك إذا علمنا أن في تقنية تحليل المضمون أصبح من غير المجدي استعمال أحدهما دون الآخر، وقد عبر عقيل حسين عقيل على ذلك أحسن تعبير عندما قال )القولغيرالفعل و الكم غير الكيف، ولهذا لا هوية للكم إلا بالكيف وعندما يكون للكيف هيئات وأشكال، يتعدد، وعندما يتعدد يُكّون كما، وعليه فلكل كم كيف، ولكل محتوى مضمون، ومضمون الكم محمولاً في الكيف(عقيل حسن عقيل، بدون تاريخ النشر: 161)

فالاتجاه السابق أصبح أكثر توجها في استعمال تقنية تحليل المضمون بخاصة في تناول مضامين وسائل الإعلام، إذ يرى أصحابها أنه من غير جدوى الاعتماد على إحداهما دون الآخر، في حين أننا يمكن الاستفادة منهما معاً، فالباحث عند استعماله التحليل الكيفي، فهو يحاول فهم و إعطاء معنى لما يلاحظه و يدركه من خلال الفئات والوحدات المستعملة، في السياقات التي أُنتج فيه ذلك المضمون، والتحليل الكمي يقوم صاحبه بمحاولة البرهنة والمراقبة إذ يتعامل مع عالم مجرد و موضوعي من خلال التكميم، كما يرى مؤيدي هذا التوجه، أنّ المناهج الكمية هي مناهج استنتاجية Déductive، وتبدأ استنادً الفرضية يضعها الباحث قبل الشروع في دراسته، بينما المناهج الكيفية هي بطبيعتها استقرائية  Inductive، لا تفترض وجود فرضية مسبقة، وعليه فإن الباحث الذي يعتمد عليهما معاً، فهو مطالب بالفهم والبرهنة والمراقبة في آن واحد، عندما نقوم بتحليل المضمون لمجتمع بحث معين، فإننا نحاول الإجابة على سؤالين أساسيين: الأول ما هي العناصر التي يتكون منها؟ و السؤال الثاني، بأي مقدار؟ أما الأول فهو موضوع التحليل الكيفي، بينما الثاني موضوع التحليل الكمي.

أما المحاولات في هذا الشأن فهي كثيرة، لكن الأغلبية منها لا تذهب في تحليلها الكيفي إلى ما أتينا عليه فيما سبق ، إذ معظمها يؤول معطيات التحليل الكمي (الجداول على وجه الخصوص) بطريقة سطحية جداً ودون التوغل في معاني الفئات و دلالاتها كما ينبغي، أي وفق مختلف السياقات التي جاء فيها المحتوى، وتدعي أنها استعملت التحليل الكيفي، إن هذا الموضوع يحتاج إلى تصحيح لأنه يسير في الطريق المنهجي الخاطئ، تجعل مخرج اتتلك البحوث لاقيمة لها، على الرغم من الجهد و الوقت والتكلفة التي بذلت لتحقيقها، ونحن نرى أن الأخطاء في هذا الموضوع يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • الاعتقاد الخاطئ، بأن التحليل الكيفي هو امتداد للتحليل الكمي، بينما أن الأصل في أنهما متكاملان يعتمد أحدهما على الآخر، فليس هناك الأصل والفرع في العلاقة بينهما.
  • الخروج عن الأطر التي تتحكم في الدراسة وفي المحتوى التحليل، عند البعض في إنجازهم للجانب الكيفي في التقنية، إلى معلومات ومعارف تُبنى في الكثير من الأحيان على ثقافتهم الخاصة في الموضوع، مما يضفي على العملية برمتها الطابع الذاتي.
  • سوء تفسير الأبعاد الكمية و الإحصائيات التي تنبع من التحليل الكمي، في التحليل الكيفي، فنجد هذا الأخير في واد ودلالات الأرقام في واد آخر، أي أن تفسير البعد الكمي لا يكون في الكثير من الدراسات تعبيراً تفسيرياً صادق كيفياً.
  • في الكثير من الدراسات التي تعتمد على تقنية تحليل المضمون، لا نجد الشيء الجديد بين النتائج الكمية والتفاسير الكيفية بل وفي بعضها تكون نفسها في التحليلين،  فهي كتفسير الماء بالماء.
  • ضعف الرؤى للسياقات التي ينبغي أن تُفسر في إطارها الأرقام والتعدادات التي قد تصل إليها الدراسة، ولا ندري صراح هل هذا الضعف يعوز إلى ثقافة الباحث المتخصصة، أم إلى سوء التوجيه والحكمة العلمية.

 

الخاتمة:

أردنا من خلال هذه المحاولة، تصحيح الصورة المنهجية لتحليل المضمون كتقنية كثيرة الاستعمال في البحوث الإعلامية الاتصالية، ونقصد بذلك البدء بعدم اعتبار قراءة الجداول الكمية، تحليل كيفي، بل خريطة الطريقة للتحليل الكيفي أي قاعدة تفسيرية دلالية لما يصل إليه الباحث فيه، ثم من الناحية الإبستمولوجية، اعتبار تقنية تحليل المضمون، تقنية كمية وكيفية في نفس الوقت، وعدم الاعتماد على التعاريف التي تعتبرها تقنية كمية فقط.

وكإجابة عن الإشكالية التي طرحنها في بداية هذه المحاولة، نقول نعم يمكن لتقنية تحليل المضمون أن تُجيب عن الكثير من أصناف الإشكاليات التي تطرحها مواضيع من أمثلة تحليل الخطاب و الحملات الإعلامية .. بالشكل الذي أتينا عليه في وصف وعرض التحليل الكمي وكذلك التحليل الكيفي، وتزداد أهميته في التزاوج بينهما، ذلك أنه أصبح من غير المقول الاعتماد على التحليل الكمي فقط، ومن غير المجدي الاعتماد على التحليل الكيفي فقط، لكن المغزى العلمي من نجاح البحوث العلمية وإعطاءها المصداقية اللازمة، هو التزاوج بين النموذجين معاً و الله أعلم.

 

المراجع:

  • القليني سوزان، (1997). (انعكاس مشاهد القنوات الفضائية على الاتجاهات الاجتماعية السائدة لدى الشباب المصري). مجلة كلية الآداب،  جامعة المينيا، العدد 43، 47 – 85.
  • جاب الله حكيمة، (2015). السياسة الإعلامية الجزائرية في مرحلة التعددية السياسية و الإعلامية- دارسة وصفية -1989 – 2014، أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر3: الجزائر.
  • خليل الأمير وعد إبراهيم، (2013). العنف في وسائل الاتصال المرئية و علاقته بجنوح الأحداث، ، بغداد.
  • عبد الحي وليد، (2016). (تكامل التقنيات المنهجية الكمية والكيفية في الدراسات المستقبلية)، استشراف، العدد 24، 113 – 205.
  • عقيل حسين عقيل، (بدون تاريخ النشر). خطوات البحث العلمي، من تحديد المشكلة إلى تفسير النتيجة، القاهرة: دار ابن كثير.
  • قنديلجي عامرإبراهيم،إيمان السامرائي، (2018). البحث العلمي الكمي و النوعي، عمان: داراليازوري.

 

  • -Angers Maurice, (2000). Initiation pratique la méthodologie des sciences humaines, 5e édition Éditeur: CEC.
  • Bernard Berelson, (1952). Content analysis in communication research, GlencoeIII : Free Press.
  • Berry et Moisdon In : Hervé Dumez,Méthodologie recherche qualitative.
  • -De bonville jean, (2000). Lanalyse de contenu des médias, Bruxelles: De Boeck.
  • ÉMILIE BOSSÉ, (2012). analyse  de contenu épistémologique de manuels de mathématiques  destinés aux élèves  du deuxième cycle du primaire,  Mémoire présenté comme exigence partielle de la maitrise en éducation, université du Québec à Montréal.
  • Jim Macnamara, (2005). Media Content Analysis – Uses, Benefits & Best PracticeMethodology, Asia Pacific Public Relations Journal, N° 6, 1– 34.
  • -Krippendorff  Klaus, (1980). Content analysis: an introduction to its methodology, USA : beverly hills.
  • Laurence Bardin,(1977). L’analyse de contenu. Paris: Presses universitaires de France.
  • MorinEdgar, (2005). Etude de l'image des sciences projetée par un manuel de sciences pour leprimaire. Mémoire de maîtrise, Québec: Université Laval.
  • Rasha Kamhawi and David Weaver,(1999). (Mass communication research trends from 1980 to 1999), Journalism and Mass Communication Quarterly.
  • Simon Laflamme, (2007). (Analyses qualitatives et quantitatives: deux visions, une même science), Nouvelles perspectives en sciences sociales N°  31, 135 - 155.
  • Van Royen P, (2007). Cours d’introduction à larecherche qualitative. Bruxelles : Institut médecine tropicalede Bruxelles.

 



* تم نشر هذا المقال في مجلة المواقف للبحوث و الدراسات في المجتمع و التاريخ، العدد 02، السنة 2019.