البحث السيميائي

 

جامعة محمد الصديق بن يحي-جيجل

 كلية العلوم الإنسانية و الإجتماعية

        قسم الإعلام و الاتصال

 

الندوة العلمية الوطنية الأولى:إ شكاليات منهجية في علوم

الإعلام و الاتصال

يومي 19/20 ديسمبر2017

 

عنوان المداخلة:البحث السيميائي و إعجاز المعنى

                                                        د.سمير لعرج

                                                         جامعة جيجل

 

تمهيد:

 لقد قدّم البحث السيميائي على مرّ الأزمنة و العصور نتائج مهمة؛كشفت عن المعاني الظاهرة و الخفية؛للنّص و الخطاب الإعلامي؛بداية من دراسة سيميائية الأخبار الصحفية،و سيميائية الصّور الكاريكاتورية و الصحفية ،و سيميائية الصّور الإشهارية ،و الصوّر السينمائية،و التلفزيونية،وصولًا  إلى دراسية سيميائية محتوى الإنترنت.

و لقد استخدمت الأبحاث و الدراسات السيميائية مقاربات متعدّدة للكشف عن المعاني الظاهرة و الخفية لمحتوى الخطاب الإعلامي و الاتصالي ؛و اشتهرت مقاربة «رولان بارت» في هذا المجال؛باعتمادها المستوى التعييني و المستوى التضميني في دراسة الصوّر الفتوغرافية؛و الصوّر الإشهارية ؛و صوّر الموضة..،و لا تزال هذه المقاربة هي الأكثر استخدامًا في البحث السيميائي للكشف عن المعاني الخفية في الخطاب الإعلامي. و سنحاول في هذه المداخلة الحديث عن قضية مهمة في مجال السيميائيات؛و هيّ قضية إعجاز المعنى؛المؤسس على إعجاز الصورة التلفزيونية على المباشر؛و سنأخذ هنا صّور قناة القرآن الكريم السعودية ،و قناة السنّة النبوية السعودية؛ لتوضيح مكامن المعاني المعجزة؛باعتماد مستوى تحليلي أسميناه  المستوى الروحي القائم على البصيرة و الذوق الروحي و الذوق القلبي ،و لقد استنبطنا هذا المستوى من مقالنا المنشور في مجلة حوليات الجزائر 1 عدد 30.([1]∗)

و نبدأ حديثنا عن إعجاز المعنى كالآتي:

1-المعنى التلفزيوني:

المقصود هنا بالمعنى التلفزيوني؛ ما يقدّمه التلفزيون أو الصور التلفزيونية للمتلقي من معاني متعدّدة عبر التأويل الذي يقوم به هذا المتلقي،في سباقات مجتمعية و ثقافية متعدّدة و متنوعة.

2- إعجاز الصورة التلفزيونية: نقصد بهذا التعبير أنّ ما تبثه قناة القرآن الكريم السعودية؛لمناظر و مشاهد الطواف بالكعبة :السعي بين الصفا و المروة،و تغطية الصلوات الخمس...؛على المباشر،دون انقطاع (إلّا في حالات)؛يحمل نوعًا من التحدي و الإعجاز لأي قناة تلفزيونة تبث على المباشر،مشاهد و مناظر مشابهة و مماثلة لتلك المناظر و المشاهد السابقة:كما أنّ صوّر قناة السنّة النبوية تحمل نوعًا من الإعجاز من خلال عرضها لجموع المصلين و هم يزورون قبر الرسول صلى الله عليه و سلم ؛حيث نلاحظ من خلال عدد الزائرين؛أنّه لا يوجد قبر يُزار بهذه الطريقة ،إلّا قبر المصطفى.([2])

 

3-إعجاز المعنى: المقصود بهذا الإعجاز، أنّ المعاني المتولّدة من صور قناة القرآن الكريم، و قناة (السنة)؛ هي معاني جليلة و عظيمة، لا تقدر على بثّ مثلها قناة تلفزيونية أخرى..

4-إعجاز المعنى المتولّدة من التجمعات البشرية: تدل صور قناة القرآن الكريم،أنّ هناك معاني تسمو فوق المعاني التلفزيونية التقليدية ؛«إنّ في تجربة الجلال من خلال تغطية،قناة القرآن الكريم للتجمعات البشرية على المباشر (صلاة،الطواف..)على مدار الزّمن24/24سا؛سموًّا فوق الجماليات التلفزيونية؛فهي تجمعات محكومة بعبادة الخالق ...الصلوات و وقت الطواف،و السعي بين الصفا و المروة ؛و هي تجمعات ممتدة في الزمن الحياتي ،و في الزّمن التلفزيوني؛و يمكن بهذا الحديث عن إعجاز التجمع البشري من خلال الصورة التلفزيونية،حيث تكون هذه التجربة التلفزيونية على المباشر غير ممكنة لمن يريد تقليدها أو محاكاتها و تكون بذلك المعاني التي تقدمها الصورة التلفزيونية لهذه التجمعات البشرية ،معاني جليلة،تعلو فوق معاني التلفزيون؛حيث تعجز المقاربة السيميائية ،أو سيمياء التلفزيون،في تفسير أسرار هذه التجمعات البشرية؛في حركتها و صلواتها،و طوافها،و دعائها،و استمراريتها؛لأن معرفتها و تبصّرها ،يطلبان تدخل المعرفة القرآنية...»([3])

و يمكن هنا الحديث عن تجمع بشري آخر؛تكون معانيه معجزة؛مثل ما نشاهده في تجمع و وقفة عرفة،يوم الحج الأعظم..؛إنّ فهم و تأويل و تذوق مثل هذه التجمعات البشرية؛إنّما يحصل باستخدام المستوى الروحي في التحليل السيميائي.

5- إعجاز المعنى المتولّد من الحركة: «يحتوي اللامنقطع في حركة؛و حركية الطّواف بالبيت العتيق إعجازا؛حيث نرى من خلال الصورة التلفزيونية أنّ الطواف لا يتوقف إلّا في أوقات الصلاة المفروضة؛...و هناك إعجاز آخر من خلال الصوّر التلفزيوينة ...و هو النظام المطلق لحركة أوقات الصلوات الخمس ،في امتداد دورانها     و انسجامها مع حركة الليل و النهار؛فالحركة ها هنا هي عبادة كلّها في الزّمان.. »([4])

6- إعجاز المعنى المتوّلد من جمال و جلال المكان: «تجلى جمال و جلال المكان التلفزيوني على المباشر قناة القرآن الكريم؛من خلال تصوير المسجد الحرام على امتداد الزّمان في المكان،و تصوير حركة،الطائفين بالكعبة،ثمّ تصوير الصفا و المروة  و مقام سيّدنا إبراهيم..»([5])

إنّ الإعجاز المتولّد من إدراك المكان المقدّس ؛الكعبة ،الصفا و المروة،مقام سيدنا إبراهيم،يطلب المستوى الروحي،لأجل التذوق،و الفهم و التبصّر..

7-إعجاز المعنى المتولّد من طهارة المكان:

«تتحدّد طهارة المكان من حيث ارتباطه بالعبادة الحقة؛فالمسجد الحرام،و الكعبة المشرفة؛ و صحن الطواف، والصفا و المروة..كلّها أمكنة طاهرة ،تنسجم مع الطهارة الروحية و المعنوية و الحسية للطائف،و العاكف..؛و بهذا يكون هذا المكان جميلاً جليلًا يبعث على الراحة النفسية و الطمأنينة القلبية...»([6])

و لأجل تذوق و فهم معان طهارة المكان ؛ينبغي استخدام المستوى الروحي ،في التحليل السيميائي لطهارة هذا المكان.

8-إعجاز المعاني المتولّدة من امتداد المكان في الزّمان: «دلت صوّر قناة القرآن الكريم، على جلال و جمال و تجانس المكان و الزّمان، من خلال تعاقب الليل و النهار و احتوائهما لعبادة الصلاة..ثمّ الطواف الذي يطلب مكانًا محدودًا،محدّدًا لا يكون إلّا في المسجد الحرام ؛ فالكعبة هنا عبر صوّر قناة القرآن الكريم تطلب طوافًا لا ينقطعه زمانًا أبدًا ؛ثمّ يتبع الطواف ،السعي بين الصفا و المروة،..و يكون  بذلك؛المكان الذي هو بيت الله الحرام ،امتدادا في الزّمن الماضي و الحاضر ،و المستقبل ،فهو باق إلى وقت معلوم عند الله»([7])و لأجل فهم علاقة الزّمان بالمكان ينبغي هنا الإستئناس بالمستوى الروحي في التحليل السيميائي لصوّر تعاقب الليل و النهار و ارتباطهما بأوقات الصلوات الخمس.

9-الإعجاز المتولد من جمال و جلال المعنى: «إنّ بناء الصور التلفزيونية المباشرة للمعنى و جلاله، في ارتباطهما بالوجود و حقيقته يثيران في المشاهد و المتلقي الإحساس و الشعور بالمطلق الأخروي ممّا يوّلد حالة تذوق لحلاوة جوهر المعنى؛تكون نتيجتها تذوق حلاوة الخشوع؛ممّا يؤسس لمقولة إعجاز المعنى من خلال صوّر قناة القرآن الكريم..وبهذا تكون دراسات المعنى لدى الإنسان،عبارة عن تمثلات لحقيقة جوهره كما أوحى به الله سبحانه للأنبياء و الرسل ؛و كلّ انحراف عن هذا الجوهر يصاحبه انحراف في إنتاج و تأويل المعنى و بهذا ،يمكن الحديث عن حياة و موت المعنى؛و عن الإحياء و الإماتة بالمعنى...»([8])

إنّ اتباع المقاربة السيميائية للمستوى الروحي الذي تحدثنا عنه ؛يجعلنا قادرين على الفهم و التذوق الحقيقين لجمال و جلال المعنى التلفزيوني.

10-الإعجاز المتولد من معاني ترتيل القرآن الكريم: إنّ القرآن الكريم هو الكتاب السماوي« ..الذي يُتلى أثناء الليل و أطراف النهار ؛لا تتوقف معانيه في الحياة امتدادًا..دلّت عملية سماع حروف القرآن الكريم و آياته ،و سوّره و هو يتلى ،على الجلال المطلق لهذا القرآن من خلال نظمه المعجز بإعطاء كلّ حرف حقه؛و كلّ كلمة حقها،و كلّ آية حقها؛و يتولد هنا ما يمكن تسميه جلال سماع حروف،و كلمات،و آيات القرآن الكريم،عبر الصورة التلفزيونية؛كما دلّت عملية سماع القرآن الكريم؛و هو يتلى،على توافق المعاني التي فيه،مع ما تريده النفس الإنسانية؛و من خلال توافق و تساوي،حروفه و أصواتها ،و كلماته و حروفها و جمله     و كلماتها()؛مع ما يرومه السمع و البصر و الفؤاد...و يتولد هنا ما نسميه ؛جلال السمع؛جلال الخشوع السمعي التلفزيوني ؛جلال حلاوة السماع التلفزيوني؛جلال وجلّ القلوب ،جلال الإقشعرار  و الخشية..جلال الطمأنينة السمعبصرية..»([9])

إنّ التحليل السيميائي للعناصر السابق ذكرها يطلب اتباع المستوى الروحي ؛حتى تستبين حقيقة المعاني المعجزة.

11- الإعجاز المتولد من معاني صوّر زيارة قبر الرسول صلى الله عليه و سلم: دلّت صوّر قناة السنة النبوية ؛لجموع الزائرين لقبر الرسول صلى الله عليه و سلم أنّ هناك معاني جليلة ؛فيها إعجاز؛حيث ينفرد قبر الرسول صلى الله عليه و سلم،بهذه الزيارات المتواصلة؛إذ لا أحد من البشر الذين ماتوا و الذين سيموتون يُزَارُ قُبورهم؛مثل ما يُزار قبر الرسول صلى الله عليه و سلم. ويكون بهذا؛ المستوى الروحي؛هو المستوى الذي يمكننا من تذوق المعاني الحقة من مثل هذه الصور.

 

الخاتمة:

بعض عرض هذه الأفكار حول ما أسميناه إعجاز المعنى؛و حديثنا عن ضرورة توظيف المستوى الروحي ؛لمعرفة و تذوق أسرار نظم المعاني؛من خلال الصورة التلفزيونية.

نقول:إنّ ضرورة اتباع  المستوى الروحي في مثل هذه الصور التلفزيونية سيزيل بعض المشكلات المنهجية في بحوث الإعلام و الاتصال،و بالضبط في البحث السيميائي.

 

المراجع ذات صلة بالموضوع :

(1)-سمير لعرج،التلفزيون و تمثلات الجلال ،حوليات جامعة الجزائر1،العدد 30،الجزء الثاني،ديسمبر2016.

(2)-محمد راتب النابلسي،موسوعة أسماء الله الحسنى و صفاته الفضلى من الكتاب و السنة ،مؤسسة الفرسان،الأردن،ط1،2015.

(3)-ابن العربي، أحكام القرآن، شركة القدس للتصدير، القاهرة، 2008.

(4)-مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن و البلاغة النبوية،الجزائر، مكتبة رحاب، دون تاريخ.



[1]()  أنظر:لعرج سمير،التلفزيون و تمثلات الجلال مقاربة نظرية ،حوليات جامعة الجزائر1.العدد:30 ،الجزء الثاني،ديسمبر 2016.

[2]()     للتوسع أنظر  :لعرج سمير ،التلفزيون و تمثلات الجلال..مرجع سبق ذكره،ص166.

[3]()     سمير لعرج ، المرجع السابق الذكر،ص161 –بتصرف-

[4]()     سمير لعرج ، المرجع نفسه،ص162 –بتصرف-

[5]()     سمير لعرج ، المرجع نفسه،ص162 –بتصرف-

[6]()     سمير لعرج ، المرجع نفسه،ص164 –بتصرف-

[7]()     سمير لعرج ، المرجع نفسه،ص164 –بتصرف-

[8]()     سمير لعرج ، المرجع نفسه،ص166 –بتصرف-

[9]()     سمير لعرج ، مرجع سبق ذكره،ص ص167-168 –بتصرف-