من الإخباري إلى الإخباري الجمالي

بنية القيم الإخبارية :

من الإخباري إلى الإخباري الجمالي

 

                                         د. سمير لعرج

                                         قسم علوم الإعلام والاتصال

                                         جامعة الجزائر

مقدمــة :

قدمت الطروحات النظرية في مجال القيم الإخبارية عددا كبيرا من هذه القيم؛ من حيث كونها حاملة لمجموع الخصائص والصفات للأحداث التي تغطيها، ومن حيث دلالاتها الإخبارية والإعلامية. ولقد انطلق هؤلاء الباحثون، من الإمكانات الفكرية النظرية المؤطرة للخطاب الإعلامي في وضع مجموع القيم الإخبارية؛ وفي تحديث بعض نقاط التلاقي والتداخل بين تلك القيم، والقيم العامة الأخرى.

وأعتقد أن التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم قد قرب الجمهور من تجارب عمليات التلقي المتنوع؛ ومن توضيح مكامن التلاقي بين بنية القيم الإخبارية، وبعض القيم الأخرى.

وبهذا سنحاول في هذا المقال تناول إمكانية احتواء القيم الإخبارية لبعض المقولات والقيم الجمالية؛ من خلال بعض الأحداث التي بثتها معظم القنوات التلفزيونية، وذلك باعتماد مقاربة جمالية في دراسة محتوى وبنية القيم الإخبارية.

 

- بنية القيم الإخبارية :

يقصد عادة بالقيم الإخبارية، " ... الصفات التركيبية المرتبطة بالتفاعل بين الحدث والجمهور ..."[1]، كما تفهم على أنها ذاك المجال القيمي المرتبط بمدى تقييم الأخبار وفهمها والتفاعل معها.

ويتحقق مستوى الفهم والتفاعل مع الأخبار من خلال بنيتها؛ ولقد أجمع معظم الدارسين على أن بنية هذه القيم، تبرز حين نصنفها انطلاقا من نوع الحدث وطبيعة المؤسسة الإعلامية، والمجتمع الذي تعمل فيه تلك المؤسسة.

يتمحور الطرح الغالب للقيم الإخبارية وبنيتها حول ما يلي:- سنقتصر على المهم منها-

1- الايجابية والسلبية :

يتم التركيز في الأولى على الجوانب الإيجابية داخل المجتمع، أو الجوانب التي تبدو أنها إيجابية؛ أما في الثانية فيتم التركيز فيها على ما هو سلبي داخل المجتمع، أو ما يبدو وكأنه سلبي. ولقد انطلق كل من " جالتونج وروج  Galtung and ruge"في تفسير هاتين القيمتين من وجود لا تماثل قاعدي في الحياة بين الإيجابي، الذي هو صعب ويأخذ وقتا –  وبين السلبي[2]الذي هو أكثر سهولة ويأخذ وقتا أقل – وفسر الباحثان ذلك بما يمكن تسميته " فكرة البناء والهدم "؛ إذ يمثل البناء، الإيجابي؛ ويمثل الهدم، السلبي. وانطلاقا من الفكرة السابقة يصوغ الباحثان خاصية أخرى؛ فالهدم يؤدي إلى الإجماع، وعدم الغموض؛ بمعنى أن الحدث السلبي لا يكون الخلاف حوله كبيرا، بفعل الاتفاق على تأويله كحدث سلبي، أما البناء فيؤدي إلى الإجماع؛ وقد يؤدي في الوقت نفسه إلى عدم الإجماع من قبل جهة أخرى.

ومن هنا، فالأخبار السلبية، هي الأكثر عدم توقعية، ولهذا فإننا ننجذب للأخبار الأكثر قلة، لأنها أقل توقعا. ويخلص " جالتونج وروج " إلى أن من بين السمات البارزة والمميزة للأخبار الغربية هي أنها سلبية[3]، ويعلل " كلاوس شوينباخ " الطبيعة السلبية للخبر في الغرب، " .. بأن المجتمعات الغربية تتوقع حدوث التقدم، ولذلك فالفشل جدير بالتقديم إخباريا، لأنه خروج عن المألوف ... "[4].

إن تفسير"جالتونج وروج " في جوهره مرتكز على قيم المجتمع الغربي، مما يعطي دلالة أخرى للإيجابية والسلبية في إطار قيم مجتمعية أخرى. وبهذا، يمكن الافتراض أن تمايز الأنظمة الاجتماعية ( قيميا وثقافيا وإيديولوجيا ...) يؤدي إلى التمايز في النظرة إلى القيم الإخبارية؛ فالسلبية التي هي نتيجة الهدم، يمكن أن تنطوي على نوع من الإيجابية، حين ينظر إلى هاتين القيمتين بمنظورين مختلفين، أو قد يكون ما هو سلبي في ثقافة ما، إيجابيا في ثقافة أخرى؛ فمثلا يعتبر الإسرائيليون المقاومة الفلسطينية عبر وسائل الإعلام إرهابا، كمقابل للسلبي؛ الذي يخيف، ويرهب، ويهدم،  في حين تكون المقاومة إيجابية لدى الفلسطينيين.

والأمر نفسه ينطبق على الإعلام الغربي في تغطيته لأحداث العالم النامي عموما، والعالم العربي والإسلامي خصوصا؛ فما تراه أمريكا متماشيا مع منظورها ( العولمة ) وتصورها للعالم، فهو إيجابي، وما لا يتماشى مع هذا المنظور، وذلك التصور يعتبر سلبيا، ولو كان إيجابيا.

ويحاول الإعلام العربي المرئي ( الجزيرة، العربية، المنار، ... ) منافسة القنوات والفضائيات الإخبارية الغربية ( CNN) وأن يقدم الصورة الحقيقية عن قيمتي السلبي والإيجابي كما هما في موقع الحدث.

2 – اللاتوقعية :

تكسر هذه القيمة الإخبارية الأحداث، كسلسلة متتابعة، وتعطي الفرصة للأحداث غير المتوقعة، وغير المدركة، بأن تصبح ذات قيمة إخبارية؛ والشيء اللامتوقع يجذب الانتباه بفعل جدته – ويفترض أن تحدث هنا مجموعة من الصدمات جراء تلقي غير المتوقع؛ فأخبار الزلازل، والفيضانات .. تجعلنا نشد نفسيا وعاطفيا بمضمون ما تعكسه هذه الأخبار غير المتوقعة.

3 – التشخص ( التشخيص ) :

يقال عادة : " إن الأسماء تصنع الأنباء ". وبالشكل الذي توجد به هذه الأسماء، يحدث أن تختفي مجريات الأحداث ويتم التركيز على الشخصية، ومن هذا ينطلق " جالتونج وروج " في صياغة الفرضية التالية : " للأخبار ميل لتقديم الحادث كَجُمَلٍ حيث يوجد الفاعل، ( شخص مسمى، أو مجموعة أشخاص )، والحادث بعد هذا، يرى على أساس أنه نتيجة أفعال هذا الشخص أو الأشخاص ".[5]

والحقيقة أن قيمة التشخص، تعكس دلالة معقدة، من حيث التركيب والتجلي؛ فأما التركيب فيتحدد على مستوى الجانب البسيكولوجي للشخصية أولا، وينطبق ذلك على الشخصيات التي لها وزن في المجتمع، والشخصيات التي لا تملك ذلك الوزن، وثاني، ما تعكسه بنية الشخصية من تصورات، وقيم، وإيديولوجية وثقافة وجمال،.. من خلال عملية الحذف والنقد الذاتي اللذين أوردتهما دراسة " سعيد بومعزة " حول "عملية إنتاج الأخبار في التلفزيون الجزائري"[6].

وتبرز هنا، مقابل هاتين القيمتين قيمة أخرى، هي التغييب حين يتعمد القائم بالاتصال عدم تغطية ونقل أخبار شخصية أو شخصيات معينة، مخافة تأثيرها في المجتمع ..، مما يدعم الطرح القائل بوجود " موجات فكرية، تنظيمية، إيديولوجية، مؤسساتية .. " في عملية صياغة بنية القيمة الإخبارية.

وأما التجلي، فيتحدد على مستوى الجانب الفيزيقي، أو الهيئة التي تبدو عليها الشخصية، فقد تعرض بما ينبغي أن تكون عليه من مواصفات، كعرض صورة رئيس، أو وزير، أو شخصية أخرى. وقد تعرض بما لا ينبغي أن تكون عليه من تلك المواصفات، كصورة الرئيس العراقي " صدام حسين " - رحمه الله -  ساعة اعتقاله مثلا ..، وأمثلة أخرى جلية واضحة في الفضائيات العالمية ..، ويزداد تعقيد الشخصية على مستوى التجلي من خلال خضوعها لبناء هرمي تتموقع فيه الشخصيات التي يفترض أن لديها عناصر التشويق، والجدة؛ ويفسر " ستيوارت هول Stuart Hall" هذه الهرمية بما أسماه " الاحتكار " لصفات موجودة في الحياة المؤسساتية من طرف أشخاص النخبة، فيقول : " أشخاص النخبة يصنعون الأخبار، لأن السلطة، والموقع، والشهرة صفات محتكرة في الحياة المؤسساتية .. "[7]، وفي السياق نفسه يقول " رايت ميلز " Wright Mills: " إن شخصيات النخبة قد استعمرت الوسائل التي صنعت التاريخ في مجتمعاتنا "[8].

والحقيقة أن تفسير الهرمية السابقة " لتموقع الشخصية " تبعا لقيمتها داخل المجتمع، له ما يقابله، حين يتم التركيز في بعض الأحيان على أشخاص غير معروفين، ولا يتموقعون في أعلى الهرم؛ لكن جدية الأحداث وأهميتها تعطيهم قيمة إخبارية، فيتحولون إلى صانعي الأنباء، مثل : أخبار الاختراعات، أو أخبار الحروب، ...

4 – التواقتية :

ترتبط هذه القيمة الإخبارية بمدى السرعة في نقل الأحداث على المباشر، وهي تتشكل وتتكون، وتكتسب هذه القيمة أهمية كبيرة حين نقارنها بالأزمنة التلفزيونية المركبة من عدة مستويات، وتقترب هذه القيمة من " الزمن الحقيقي " الذي يؤدي إلى الاقتراب من " ... زمن الصورة ... وزمن الحديث ( الكلام )[9]، أو السرد التواقتي .. ( ويصبح هنا ) .. الزمن التلفزيوني هو زمن المشاهد.

ويبدو هنا من خلال تجربة المشاهدة التلفزيونية للمباشر، أن المشاهد يتفاعل مع مجريات الحدث وفقا لمدى تأثره وانفعاله. ولقد استطاعت تكنولوجيا الاتصال الحدّ من سيطرة الزمن الخيالي أو الافتراضي الموجود في المسلسلات والأفلام ..؛ مما جعل الزمن الحقيقي، خاصة المباشر التلفزيوني الحي، يحدث نوعا من الاستفاقة لدى المشاهد، جعلته يدرك تفوق الحقيقة التلفزيونية على الخيال التلفزيوني.

ومن هذه الحقيقة التلفزيونية، تبرز مجموعة من المقولات الأخرى، متداخلة مع قيمة التواقتية، كدراما المباشر الحي، والسرد التلفزيوني الحقيقي المبني على المعطيات الإحصائية، والمرئية، ومأساوية المباشر التلفزيوني الحي، مما يؤسس لحميمية المشاهد والصورة التلفزيونية الإخبارية.

5 – نخبة الأمم والشعب :

انطلق كل من " جالتونج وروج " في تفسير هاذين العاملين من فرضية، أن أعمال الصفوة أكثر نتائج من نشاطات الآخرين، ويقدمان النخبة كقيمة إخبارية.[10]

وبهذا تكون " الأخبار المركزة على النخب ..، غير ممثلة للناس العاديين .."[11].

ويبدو من خلال هذا الطرح أن هناك نقصا في محاولة فهم طبيعة الأمة والشعب من قبل القائمين بالاتصال، ووسائل الإعلام، حيث يتم التمييز بين الأمم والشعوب انطلاقا مما تعكسه وسائل الإعلام؛ فصورة الفلسطينيين كأمة وشعب تتحول في منظور الإعلام الغربي (خاصة الإسرائيلي) إلى مجموعة من البشر والناس العاديين، بفعل الاستعلاء العرقي والديني المسيطر على عقلية الإسرائيليين. وبهذا، تتحول الأخبار عن الفلسطينيين إلى مجرد أوعية تحتوي مجموع القيم التي تبرز ساعة البث التلفزيوني؛ دون الغوص في معاني وبنيات ودلالات تلك القيم؛ كالمعاناة، والمأساة، والظلم، والتشرد، والطغيان، والغدر، والخيانة، ....

6 – التقارب الثقافي والعقائدي:

ينطبق هذا العامل الإخباري على مجموع الصراعات والنزاعات الدولية؛ ومدى التكتل، والتجمع، لمواجهة محتويات ما يجري في العالم؛ وتوجيهه الوجهة التي تخدم مصالح المسيطر والمهيمن على هذا العالم وتبرز هنا قيمة التحيز والاستعلاء الثقافي والعقائدي؛ حين تعتمد وسائل الإعلام، وخاصة التلفزيون إبراز و " تزيين " نماذج ثقافية دولية على حساب أخرى، قد تم تغييب حقيقتها، وإبراز " قبحها "، وينطبق مضمون ما تقدم حتى على الدولة الواحدة.

ونكتفي هنا بهذا السرد لبنية القيم الإخبارية، التي اخترناها – من بين القيم الإخبارية المعروفة – تماشيا مع المقاربة الجمالية التي ننظر من خلالها لموضوعنا.

ونبدأ الحديث عن بنية الجمالي، كمقابل للحديث عن الإخباري.

- بنية الجمالي :

كانت المعرفة النظرية حول الجمال؛ في بدايتها مؤسسة على محاكاة ما هو جميل في عالم المثل، كما رأى ذلك أفلاطون ( 427 – 347 ق م )؛ وكانت هذه المعرفة نابعة من الإحساس بعظمة الوجود، كما يتجلى ذلك مع أرسطو ( 384- 322 ق م )، حين ربط الجمال "... بالعلاقة بين النظام والعظمة ..." [12]، فبنية الجمالي هنا تكمن في الانتظام والتناسب، والانسجام، وتبقى هذه البنية محافظة على أركانها لدىأفلوطين[13]*(205- 270م)، من حيث ارتباطها بالأخلاق والخير، وفي العصور الوسطى ارتكزت بنية الجمالي على المرجعية الدينية المسيحية؛ إذ ذكر القديسأوغسطينSaint Augustin( 354 – 430 م) في كتابه "الاعتراف": "... أن الله هو الفنان العظيم الذي يعطي الشكل والجمال والنظام لكل شيء، بحسب قوانينه الخاصة، إن الله حقيقة كل جمال بل هو أعظمه " [14]. ويبقى التفسير الديني مسيطرا على البنية الجمالية، مع فيلسوف آخر، كان يهدف إلى تكييف مضمون الأرسطية مع الدين المسيحي؛ وهو القديس توماس الاكوينيThomas Aquains( 1225 – 1274م )، الذي رأى أن الجميل يتكون من ثلاثة أشياء هي " ... الكمال، التناسب التام، والوضوح.." [15]

وفي عصر النهضة ظهرت تفسيرات لبنية الجميل، في ( محاورات الحب) 1535 " لليو" الاسباني، "... وفيها يذهب إلى أن كل ما هو جميل، فهو خير، ولكن ليس كل ما هو خير جميل، والجمال هو الذي يحرك الروح ويدفعها إلى الحب " [16].

ونلاحظ مما سبق هيمنة التفسير الميتافيزيقي على الرؤى الجمالية من حيث ارتباطها بالأخلاق، والخير، والدين.

ولعل أهم البدايات الأولى لمحاولة التخلص من الهيمنة الميتافيزيقية على الرؤى الجمالية كانت مع الفيلسوف الألماني " ألكسندر غوتليب بومغارتن (1714 –  1762)" BoumgartenAlexander Gottlieb  بتقديمه مصطلح Esthétiqueاستطيقا، للدلالة على علم الجمال، عام 1750، وهذا العلم " ... تخصص يدرس مدركاتنا الحسية ..."[17]؛وبعد ظهور هذا المصطلح بدأت التحولات في البنية الجمالة تتجه نحو احتضان بنيات أخرى، لا يشترط فيها أن تكون جميلة؛ ويقترح الفيلسوف الإنجليزي " ادموند بيرك"Edmond Burke(1729 – 1797)، الجلالSublime  كبنية تدخل ضمن ما يدرسه علم الجمال l'esthétique ورأى بذلك أن الجليل ".. ينشأ من غريزة البقاء عكس الجميل الذي ينشأ من الغريزة الاجتماعية ..." [18]ويبقى مدلول كلمة Esthétiqueبوصفها علم المدركات الحسية؛ ذا قيمة لدى " كانـط "Kant  ( 1724 – 1804 )، حيث نفذ هذا الفيلسوف إلى عمق البنية الجمالية، فحلل مكوناتها في ثلاثة كتب كان أهمها وأعمقها، كتاب " نقد الحكم " La critiquedu jugement سنة 1790؛ "...حيث تجمعت فيه الأفكار الجمالية لذلك القرن بطريقة منسجمة كاملة ..."[19].

ويناقش هيغل HEGEL( 1770 – 1831 ) مصطلح الاستطيقا، لكنه يقبل به، ويعلن أنه سيدرس " .. الجمال الفني، دون الجمال الطبيعي؛ ذاك أن الجمال الفني أسمى من الجمال الطبيعي؛ لأنه نتاج الفكر .."[20]

وبعد هذا التأسيس النظري لعلم الجمال، ظهر التأسيس التجريبي مع الفيلسوف الألماني فشنر FECHNER( 1807 – 1887 ) بوضعه أسس علم الجمال التجريبي، واستعمل مصطلحين في دراساته الجمالية :[21]

1- علم الجمال العلوي l'Esthétique d'en haut ويقصد به الجماليات الفلسفية النظرية.

2- علم الجمال السفلي l'Esthétique d'en bas، ويقصد به الجماليات التجريبية.

ونكتفي هنا بهذا العرض لأهم المعالم الجمالية التي كان لها الفضل في إفساح المجال، لتحويل البنية الجمالية ( التقليدية ) إلى بنية جمالية متداخلة ومتكونة من مجموعة من المقولات والقيم الجمالية؛ لا يشترط فيها أن تكون جميلة أو متصفة بصفة الجمال؛ وإنما يكفي أنها مقولات وقيم أصلها في نظرية الفن، يدرسها علم الجمال Esthétique

ومن أهم هذه المقولات والقيم الجمالية ما يلي :

1- الجلال Le sublime: أدخلت هذه المقولة الجمالية مجال علم الجمال في القرن الثامن عشر؛ إذ رأى " ادموند بيرك Edmond Burkeأن الجلال " يرتبط .. بالتوتر العضلي والعصي، وهو تلبية لدعوة شعور خير بالألم، يتعلق بالفراغ، بالمخيف، بالغياهب، بالإنفراد بالصمت "[22].

الحقيقة أن هذا الطرح لتجربة الجلال قد لا يكون صالحا في بعض المواضع كأخذنا لطبيعة الثقافة والسياق الاجتماعي، للموضوع الجليل، وكذلك طريقة وكيفية معايشة مضمون هذه المقولة.

وينفرد " كانط " بنظريته حول الجليل، حين فرق بين الجلال والجمال من خلال :

أ- " إذا كان الجميل يهتم بالشكل؛ فهو لا محالة موجود في موضوع محدود، أما الجلال، فمكمنه موضوع بلا شكل، وغير محدود[23]".

ب- " ... يثير الجميل قوانا الحيوية، ويقترن بلعب الخيال؛ أما الجليل فيثير فينا الشعور بتوقف هذه القوى؛ ثم يتبع ذلك انطلاقها، ونوع الارتياح أو السرور الذي نحس به نحو الجليل، هو القداسة، أو الإعجاب " [24]

ورغم هذا الفصل بين الجميل والجليل، إلا أن لكل بنية قيمية ارتباطها بالأخرى، فلا فهم ولا إدراك للجليل دون فهم وإدراك للجميل.

2- التراجيدي (المأساوي) Le Tragique :

 يتأسس الفعل والبناء الراجيديين على درجة الصراع، التي تؤدي إلى"... الخوف، والرحمة والشفقة .."[25]، مما يجعل عملية الاندماج في الموضوع محل التراجيدي، ممكنة، داخل سياقاتها النفسية والثقافية والاجتماعية والحضارية ويقدم جورج سانتيانا George Sntyana  (1863-1953) بعض عناصر البنية التراجيدية هي :

" 1- الفهم ( الذوق)

ب – المشاركة الوجدانية

ج – الإحساس الجمالي

د - المتعة الجمالية

هـ – الإدراك والمشاركة في الآلام التي نراها

و – امتزاج الألم بالإثارة

ز – التخفيف من حدة الموضوع التراجيدي عن طريق الارتباطات السارة ..."[26].

          وبالنظر في قيمة التراجيدي (المأساوي)، نجد أنه يشمل قيمة جمالية أخرى  ، وهي المؤثر Le Pathétique.

 

3 – الهزلي Le comique:

 ينبني الفعل الهزلي على مجموعة من المقولات كدرجة تناسب وصلاحية الشخصية الهزلية، مع البناء الفني للموضوع، ومدى القدرة على إحداث المتعة من خلال عمليات التناقض، والضحك ، والتهكم ..، ويبدو أن بنية قيمة الهزلي، تتجه نحو التناقضية، والتصادمية، والانتقائية، من حيث اختيار الموضوع محل الهزلي، فمثلا، حين يتلاقى" الحب" مع الهزلي، يفقد هذا الهزلي بعض مقوماته الفنية حين نعجز عن السخرية والاستهزاء مما نحب.

          لكن مقابل هذا، يبقى الهزلي حاملا لخصائص فنية سيكولوجية متميزة، كدرجة الاندماج والقدرة على التفاعل مع جزيئات الموضوع الهزلي، دون الحاجة إلى بذل جهد كبير من قبل المتلقي، لأجل الضحك مثلا.. وقديما رأى أرسطو أن"... الهزلي هو القبيح بلا ألم "[27].

          وأخيرا يمكن القول: هناك علاقة كبيرة بين قيمة الهزلي وطبيعة بنية القيم في المجتمع، وبذلك ، فلكل مجتمع قابليته الخاصة به لكيفيات الإنتاج والتلقي للهزلي، من الناحية الفنية، وحين يتجاوز هذا الهزلي حدود الفن ينقلب إلى هزلي مبني على الأيديولوجيا، والاعتداء على حقوق الناس الآخرين ( القذف، السخرية، الاستهزاء ...) وتتحول بذلك هذه القيمة إلى وعاء يجمع مجموعات من القيم الأخرى، وتتم عملية إدراك هذه القيم بما أسماه جورج سانتيانا       " صدمة الدهشة القائمة على معرفة أننا نتلاعب بالألفاظ، وأننا أحرار، ومعرفة أن اللذة التي نشعر بها بالتزييف، لذة غير كاملة "[28].

4 – الفكاهي : L'humoresque.

          يقوم الفكاهي على جملة من الأسس، كجاذبية الشخصية الفكاهية، وصلاحيتها للتلاقي مع الجمهور، والطبيعة التناقضية لجزيئات الفكاهة. ويضع "جورج سانتيانا " مجموعة من الأسس للفكاهي، منها:[29]

أ – ضرورة مزج الضعف بالعاطفة .

ب – لابد أن يوجد في شخصية الرجل الفكاهي ناحية مضحكة ، سواء كانت هذه الناحية غرابة الأطوار، أم سلامة الطوية .

ج – وجود الرجل الفكاهي في موقف متناقض .

د – الاستجابة الجمالية، والمشاركة الوجدانية.

          ويضع " زيف " ZIV  بعض الوظائف للفكاهة داخل المجتمع هي :[30]

أ – التخفيف من وطأة المحرمات الاجتماعية.

ب – النقد الاجتماعي.

ج – ترسيخ عضوية الجماعة.

د- الدفاع ضد الخوف والقلق.

          ويمكن بهذا ، اعتبار الفكاهة ظاهرة نفسية اجتماعية، ذات أهداف، فنية وجمالية، ترويحية ، خاضعة للمرجعية القيمية للمجتمع الذي أنتجها.

 

5 – الكاريكاتوري : Le caricatural:

          تقوم بنية الكاريكاتوري على خصائص مميزة ، كالتشويه، والسخرية، والاستهزاء، والاستعاري،.. ولقد عرف بأنه "... القدرة على تصوير (رسم) شخصيات حية مقنعة..."[31]، ويبدو أن هناك تداخلا بين قيمة الكاريكاتوري، وقيمتي الهزلي والفكاهي، لكن هذا التداخل لا يخل بوظيفة الآخر، وإنما يطوره ويخدمه من حيث استخدام كل فن لخصائص الآخر.

6 – الشعري : Le poétique :

          ترمز قيمة الشعري إلى درجة التكثيف النفسي الشعوري العاطفي الذي نعيشه جراء تلقينا لعمل فني بلغ أقصى درجات الإبداع. وبهذا يتسع مضمون هذه القيمة ليشمل بعض القيم الجمالية الأخرى، كالجميل، والرائع ، والكاريكاتوري، الهزلي، والفكاهي، إضافة إلى قابلية هذه القيمة للتعبير عن مدى نجاح بعض الوسائط الفنية في نقل تجربتها الشعورية، كالفيلمي، والإخباري، والصورة التلفزيونية الناجحة عامة...

          يتضح من الطرح السابق، أن هناك تحولا قد حدث على مستوى احتواء علم الحمال لبعض المقولات والقيم الجمالية، التي لا يشترط فيها درجة جمالها، (كالقبيح، والجليل، والمأساوي، والهزلي، والكاريكاتوري، والشعري، والفيلمي....)، وتأسيسا على هذا هل يمكن لعلم الجمال أن يلج مجال القيم الإخبارية ؟ وهل يستطيع الإخباري أن يحمل ما هو جمالي في بنياته ؟. سنحاول معرفة ذلك من خلال تناول مستوى تداخل القيم الإخبارية مع القيم والمقولات الجمالية.

  • مستوى تداخل القيم الإخبارية مع القيم والمقولات الجمالية.

1 – قيمة السلبية / قيمة الجلال / المأساوي :

         المقصود هنا، احتواء القيم الإخبارية، لبعض المقولات والقيم الجمالية انطلاقا من العملية الإدراكية لمتلقي الأخبار، حيث تعمل الحواس على تقديم تجربة شعورية إضافية بعد عملية تلقي بنية ومضمون الأخبار، وتتلخص هذه التجربة الشعورية في مجمل الإضافات التي يمكن للمتلقي تشكيلها بعد معرفة طبيعة الأخبار.

         ويتبين لنا ذلك من خلال هذه المقاربة الجمالية في فهم بعض الأحداث التي تناقلتها القنوات التلفزيونية العالمية.

         إننا نذكر، كيفية تعامل الفضائيات والقنوات التلفزيونية مع أحداث 11 سبتمبر 2001، من حيث التواقتية، وضخامة الحدث، والعنف، ومن حيث نجاح الصورة التلفزيونية في نقل عملية سقوط البرجين.

         تبدأ عملية الإدراك الإخباري من أول وهلة شاهدنا فيها صورة الطائرة الأولى تصطدم بالبرج الأول، ثم تنمو عملية الإدراك الإخباري هاته، حين تصطدم الطائرة الثانية بالبرج الثاني، ويبلغ الإدراك الإخباري ذروته حين يتهاوى البرجان، والدخان الأسود يتصاعد منهما، إضافة إلى حالتي الهلع والذعر اللتين أصابتا الأمريكيين.

         إن هذا الطرح الإخباري، يبقى ناقصا على مستوى عمليات التلقي والتفاعل، فداخل تلك التجربة الشعورية الإخبارية توجد مستويات جمالية أخرى، يمكن تقديم بعض معالمها من خلال ما يلي:

         لقد توقف العامل الإخباري لحظة وصوله إلى المتلقي، ليترك مكانه للعامل الإخباري الجمالي، حيث لا يكون بمقدور العامل الأول تفسير البنية الدلالية للعامل الثاني.

         فلقد استطاعت مشاهد صور الهجوم ، أن تقربنا من "... الإحساس الجمالي ..."[32]من خلال مقاربة صورة الحدث، بما تحمله من مكونات ( اللون، الدخان، التناسق، النار...) مع صور أفلام الخيال التي تصور الدمار والخراب ...، وتقربنا من مضمون الجلال، من خلال الإحساس بالعظمة، والخوف، ... وتقربنا كذلك من المأساة من خلال التعاطف والمشاركة الوجدانية المشكلين لدى الملتقى.

لقد كان حجم الكارثة كبيرا جدا، وكانت مركبات الصورة في أوج تنافسها مع مركبات الصور التلفزيونية الأخرى لدى الملتقى.

مما جعل الإخباري هنا يتجه نحو الحقيقة الماثلة أمام عيون المشاهدين إضافة إلى اتجاهه نحو الجميل، ومكونات الجلال. ويمكن فهم هذا المستوى من التحليل، من خلال هاته الثنائيات :

أ – تطير الطائرة ( العادية ) في الجو / تتجه الطائرتان صوب البرجين :

لقد أحدثت عملية اصطدام الطائرتين بالبرجين الأمريكيين نوعا من الدهشة، والتساؤل لدى الملتقى، إضافة إلى التغير الفزيولوجي، ومدى الانقباض والانبساط في أعصابنا وأعضائنا، ودرجة خفقان القلب. وعلى هذا المستوى يبدأ الإخباري في التراجع لصالح الإخباري الجمالي. ويتأسس هذا الطرح، باصطدام الطائرة الأولى في البرج الأول، ثم وصول الأخرى واختراقها للبرج الثاني، في جو اشتعل دخانا، تاركا المجال للحبكة الفنية تواصل عملها، من خلال بداية تلقي الصدمات، وسيطرة الشعور بوجود قوة عليا، أو وجود قوة خفية، ترعبنا وتخيفنا ...

ب- الصدمات الأولى / الشعور بقوة عليا مجهولة ترعبنا وتخيفنا:

كان إنهاء الصدمة الأولى، بدخول الطائرة الثانية، ثم جاءت الصدمة الأخرى من مخلفات قوة الانفجار ( النار، الدخان ...)، ثم الصدمة الكبرى بسقوط البرجين. لقد أدى هذا المشهد التراكمي إلى رد فعل بلغ ذروة الهلع، والخوف، أوساط أمريكيين، مما جعل البناء التراجيدي لسردية الكارثة، يتجه نحو الانتشار إلى مستوى كبير من المشاهدين، من حيث درجات الشفقة، والتعاطف، والمشاركة الوجدانية من مخلفات الدمار، في إطار جماليات التلقي التلفزيوني.

ج- الإخباري المباشر ( الحي ) الخيال التلفزيوني :

يتميز الطرح الإخباري المباشر(الحي) التواقتي، عن الخيال التلفزيوني، بأنه يصيغ الحقيقة التي تهم المشاهدين أكثر من صياغة الخيال التلفزيوني لها، فالقيم الموجودة في الإخباري، قيم حقيقية سواء صرح بها أم لم يصرح بها، على خلاف القيم الموجودة في الخيالي. وحتى على مستوى الادراك الجمالي التلفزيوني، تبدو التجربتان ( تجربة الإخباري والخيالي) غير متكافئتين، فتجربة الجلال من خلال عملية مشاهدة سقوط البرجين الأمريكيين، أرقى وأسمى من أي عمل تلفزيوني أو سينمائي يحاكي أو يعيد عملية السقوط فنيا ...

ومن هنا تبرز أهمية وقيمة التواقتية، كقيمة إخبارية، في إحراز نوع من التفوق على الخيالي.

2- قيمة الكارثي / قيمة الجلال / المطلق الآخروي / المأساوي :

يبدو أن القيم السابقة خاضعة لتداخل تكاملي، حيث نجدها تغذي بعضها البعض، دون أن يكون لواحدة منها نشاز يفسد تناغمية تلاقيها ويمكن الاقتراب من مغزى ما سبق من خلال ما يأتي:

  • يعتبر الكارثي، قيمة إخبارية تعكس حجما كارثيا طبيعيا مثل:

( الزلازل، الفيضانات، الأعاصير، البراكين...)، وتحتوي هذه القيم على مجموعة أخرى من القيم، كالقيم الجمالية، مثلا...

لقد شاهدنا يوم 22 ماي 2003، صورا تلفزيونية إخبارية (التلفزيون الجزائري)، حول الزلزال الذي تعرضت له بومرداس، والعاصمة وبعض المدن المحيطة بهما. لقد دفعتنا هذه المشاهدة لتشكيل تجربة شعورية إخبارية، قوامها الإحساس بالخوف، والرهبة والشفقة، من خلال رؤية مخلفات الزلزال عن طريق الصور التلفزيونية.

إن تفسير كل من " كانط "و" ادموند بيرك " لقيمة الجلال، قد لا يكون كافيا وحده لتفسير ظاهرة تلقي الكارثي، الممزوج بالخوف، والرهبة، والشفقة، عبر الصور التلفزيونية الإخبارية، ذاك أن هناك قيمة أخرى تضاف لتجربة الجلال هاته، يمكن تسميتها " المطلق الآخروي "، بمعنى استحضار الغيب، أو صورة ما بعد الموت، كفعلين تثيرهما الذاكرة، ومزجهما بأحداث ومجريات الزلزال. فالجلال هنا يكون قد تلاقى مع المطلق الآخروي، حتى تكتمل حقيقته، ولتلاقي هذه الحقيقة مع المطلق الآخروي، رد فعل سلوكي لدى المشاهد، (التجربة التلفزيونية)، من خلال تغير بعض السلوكات، أو الأفكار أو القيم .. كنتيجة لصدمة الجلال مع المطلق الآخروي؛ ويبدو هنا هذا التغير ماثلا من خلال إثارة المعرفة بآيات القرآن التي تتحدث عن الزلزال " يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْْْْْْْْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِّنَ عَذَابَ الله شَدِيد " الحج : الآية : 2

" إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا... " الزلزلة : الآيات 1- 2- 3.

ومن خلال إمتلاء المساجد أوقات الصلاة الخمس ....

وأثناء التجربة النفسية الشعورية التلفزيونية السابقة، تظهر قيمة جمالية أخرى، متداخلة مع القيم السابقة، هي المأساوي، من خلال مدى درجة التأثر الذي أنتجه الزلزال لدى المشاهدين ...

وتبقى قيمة الجلال، كقيمة جمالية متداخلة مع قيم الكارثي، من خلال مشهد تلفزيوني إخباري آخر عن الفيضانات التي ضربت جنوب شرق آسيا أواخر ديسمبر 2004.

فلقد مكنتنا عملية التلقي والمشاهدة، من بناء تجربتنا الشعورية الإخبارية، لكن الشيء الأساس الذي أحدث نوعا من التسامي في هذه التجربة، هو مشهد الأمواج العاتية، وهي تغمر، وتغرق مجموعات من الناس، وهم فارين مخافة أن يدركهم الموج.

هنا يعجز الإخباري لوحده في احتواء تجربة المشاهدة لدى الملتقي، ويبقى الجلال هو القيمة التي بامكانها احتواء عملية المشاهدة السابقة على مستوى فهم وتفسير مظاهر التوتر النفسي، الذي يمكن أن يحدث لدينا، جراء استرجاع مخزوننا وموروثنا الثقافيين عن تجربة الفيضان؛ والغرق، ..

بعد هذا العرض، يمكن القول : تسمو بنا تجربة الجلال – من خلال البث التلفزيوني الإخباري – حين يكون هناك مجال لربط مكونات هذه التجربة بأشياء متعلقة بفعل إلهي (الزلزال، الفيضان ...) ومقابل ذلك يقل السمو تبعا لحجم قوة الفاعل. وتختلف تجربة الجلال  من ثقافة إلى أخرى؛ ومن بيئة إلى أخرى، فإذا كانت صورة انهيار البرجين الأمريكيين عبارة عن مزيج وتلاقي بين الجلال والمأساوي؛ فهي عند من تبنى العملية مزيج بين الجلال والجمال، من حيث تحقيق أبعاد جمالية مثل : اللذة، والمتعة....

3- قيمة التشخص / قيمة الهزلي والفكاهي :

تبدو هنا، طريقة عرض الأشخاص كمزيج بين الهزلي والفكاهي؛ من خلال الدلالات الإحتقارية والاستهزائية التي تعكسها بنية القيمة؛ إذ لا يكتفي بالطرح الفيزيقي للشخصية؛ وإنما يدعم هذا الطرح بقرائن تحقق اللذة، والمتعة، والمرح، والضحك ..، وللاقتراب من هذا الطرح الجمالي، نستحضر صورة الجنود الأمريكيين ( عبر الصور التلفزيونية ) وهم يعذبون المساجين العراقيين، ويستهزؤون بهم، في تنوع مثير للمناظر والطرق، والكيفيات، والوضعيات التي أجبروا على تقمصها، ويبدو لنا الطرح الإخباري لبنيات الصور التلفزيونية العاكسة لتلك الشخصيات، قابلا لاحتواء الإخباري الجمالي، حين ندرك خلفية الصور الإخبارية. فإضافة الدلالات القيمية الجمالية يتوزع على مستوى تفرعات الصور التي تبدو عليها كل شخصية.

  •  تبرز شخصية الجندية الأمريكية في تلاقيها مع شخصية السجين العراقي، عدة قيم جزئية، منها ما لها علاقة بالتفسير الشهواني، كتعرية المساجين، ومنها ما له علاقة بمحاولة قلب صورة الإنسان كإنسان إلى صورة الإنسان كحيوان، من خلال عملية جر السجين المربوط من عنقه، في إطار الفكاهي ...
  •  تحقيق الجنود الأمريكيين لذة الاستعلاء، من خلال استصغار المساجين، بالتفنن في عملية التعذيب ..

 

 

4 – التشخيص / المأساوي / الشعري :

تكون بنية قيمة الشخص هنا ذات دلالات مأساوية تبعثنا على الشفقة والتعاطف مع الشخصية موضع التغطية الإخبارية، وتبدو هذه الشخصية ضعيفة، مظلومة، .. مما يضفي على الصورة التلفزيونية الإخبارية شحنة عاطفية قوية مؤثرة، تتجه نحو قيمة الشعري؛ وعلى قدر تواقتية مجريات الحدث، على قدر ما تكون درجة الشعري في الصورة التلفزيونية الإخبارية..

ولتبيان مضمون ما سبق، نستقرئ صورة الطفل الفلسطيني " محمد الدرة " رحمه الله، من خلال مستويين إثنين :

1 – صورة الطفل بجوار الأب، وفاعلية الحب والحنان، وعطف الأبوة كقيم تحيط بالطفل.

2 – الصورة النقيض للقناص الإسرائيلي يصوب نحو الطفل ... في مستويات قيمية منحطة، كالجبن، والخداع، والرذيلة ..

ومن خلال هذين المستويين تتنامى قيمة المأساة من خلال ما شكلناه خلال عملية التلاقي ... وعلى الرغم من قصر وقت السرد الإخباري، فقد بلغت ذروة المأساة أقصاها، حين سقط الطفل قتيلا، وهنا تتداخل المأساة كقيمة جمالية مع قيمتي  الشعري والمؤثر، من حيث درجة التكثيف النفسي العاطفي الوجداني، الموجود في بنية القيمة