الرأي العام الجزائري


 

الرأي العام الجزائري: الحلقة الضعيفة في معادلة الحاكم بالمحكوم.

 

أ.د. تمار يوسف

youceftemmar@yahoo.fr

 

يُعد الرأي العام في الديمقراطيات الحديثة بل و حتى القديمة منها، أهم متغير في البناء السياسي لأي نظام، فحوله تدور عدة وظائف سياسية عليها يتوقف استقرار النظام و استمراره، فهو الهدف من القرارات السياسية الصادرة عن النظام، و هو المساند للنظام في كسب الشرعية اللازمة له "إن شرعية الحكومات تقوم على رضا المحكومين"، حيث يؤثرعلى القرارات السياسية التي تصدرها الحكومة، و يمهد لإصدارالقوانين، التي تعبرعن تطلعاته و متطلباته، كماأن نجاح أي فكرة أواتجاه سياسي أواجتماعي يتوقف هو أيضاً على مدى ميل الرأي العام إلى هذه الفكرة أوهذا الاتجاه، فقد وضعه الفلاسفة و الكتاب و المفكرين السياسيين على رأس الانشغال الذي على صاحب القرار أن يعيه ألف حساب، حيث "أصبحت " الإرادة الشعبية" أعلى معيار لتقييم عمل الحكومات الحديثة" 1. فما هو حال الرأي العام الجزائري في المعادلة السابقة؟.

في البداية نحن نقصد بالرأي العام تلك المجموعة من الإرادات التي تنشأ لدى عدد كبير من الأفراد تترجمها مناقشات و تفاعلات لتعطي الأهمية اللازمة لبعض القضايا ذات المصلحة العامة في فضاءات سماها هبرمس Habermasالفضاءات العمومية Les espaces publique، و بناء على ذلك فأينما كان هناك تفاعل اجتماعي يفترض وجود رأي عام، و أينما كانت هناك مصالح مشتركة بين هؤلاء، يلتزم ذلك وجود رأي عام كذلك.

يتفاعل الرأي العام مع القضايا التي تمس إرادته الجماعية، حيث تكون مصلحته محل تهديد اجتماعي خاصة ما يشكل مخرجات النظام السياسي من قرارات و أوامر، فهي تغدي مناقشاته في الفضاءات الاجتماعية، و تحدد موقفه منها بالمساندة أو الرفض، و مهما كان فهو يشكل موقفاً قد يعبر عنه بشتى الطرق، أو تتبناه وسائل الإعلام التي تتحدث باسمه، فأين الحكم الجزائري من الرأي العام الجزائري؟ بمعنى ما هي طبيعة التفاعل السابق بين الرأي العام الجزائر ي و السلطة السياسية؟.

 

تفادي الاستعمال.

المتتبع لمضامين الخطاب السياسي في الجزائر، سواء الصادر عن صانع القرار أو النخب السياسية أو من يدخل في فلكهما، قلة استعمال مفهوم الرأي العام، فما لمغزى من "تفادي" هذا الاستعمال؟ لعل ماكيافيلي كان أكثر المفكرين "احتراماً" للرأي العام حين أكد أهميته و أهمية الاعتراف به و بمكانته في اللعبة السياسية، و كان ينصح دائماً الأمير أن يكون على دراية بتقلبات الرأي العام و توجهاته و تطلعاته، أما السلطة عندنا، فهي تتفادى أصلاً استعمال كلمة الرأي العام و تفضل الحديث عن  مفهوم الشعب و شتنا بين المفهومين، فالثاني أكثر إيديولوجية من الأول، و الثاني أكثر تأويلاً لمفهوم الخضوع من الأول، و الثاني يشير إلى العدد أكثر منه إلى الآراء .. فاستعمال مفهوم الرأي العام، يعني الاعتراف بقوة خارج إطار الحكم ينبغي التعامل معها و مع "مشاكلها" و توجهاتها و تطلعاتها، بمعنى بسيط الاعتراف بوجوده كمعارض لها.

الحساسية من استعمال كلمة الرأي العام لدى السلطة السياسية و حتى في الخطاب الإعلامي، الذي أُجبر  مكرهاً في الكثير من وسائله، على أن لا  يخرج توجه عن الإطار الذي ترسمه له السلطة السياسية، بحيث يبقى متماشياً مع سياساتها وخادماً لأهدافها ومصالحها، مع هوامش بسيطة لذر الرماد في العيون وإيهام الناس بحرية هذا الإعلام واستقلاليته، رغم تبعيته وعبوديته.

 

الوصايا و التوجيه.

بناء على عدة معطيات لعل أهمها العوامل التاريخية و الإيديولوجية، لا زالت السلطة السياسية في الجزائر، ترى أن الرأي العام يحتاج إلى توجيه فهو لا زال لا يدرك جيداً مصالحه، لذلك فالنظام السياسي يمارس حق الوصية على كل أفراد المجتمع الجزائري، و على آراءهم و إرادتهم و عليه فهي لا ترى فيهم قوة اسمها الرأي العام.

إن أصحاب القرار السياسي في الجزائر يهملون - متعمدين احيانا و متناسين احيانا أخرى - مكانة الرأي العام و أهميته،  و  التاريخ السياسي للجزائر حافل بالواقف التي تدل على ذلك، حيث في كل مرة يحاول هذا النظام السيطرة على أصحاب الرأي أو لاستمالتهم في محاولة منهم لعدم إثارة هذا الرأي عليهم . فلذلك يجب ان يكون السلوك السياسي للنظام الجزائري هو التناغم و الانسجام مع الرأي العام لزيادة التفاهم و التواصل و التوافق 2.

و حتى نصل إلى تكوين رأي عام متفاعل مع مختلف القرارات السياسية الصادرة  من السلطة و المؤثرة على الوطن و الرأي العام معاً .. لابد من وجود حد أدنى من الاعتراف المتبادل بين السلطة و الرأي العام، و هذا في الحقيقة الذي لم نجده في الكثير من الإجراءات التي تم اتخاذها من طرف السلطة، مشروع  قرار قانون المالية  لسنة 2016 مثلاً بل و حتى مشروع قانون المالية لسنة 2017 الذي صادق عليه مجلس الوزراء مؤخراً، و الذي خلق و يخلق معارضة شديدة بين الجزائريين … أو قضية التقاعد النسبي الذي خلق هي الأخرى أزمة حادة بين السلطة السياسية و الرأي العام، أو قضية تفعيل حكم الإعدام الذي يطالب به الرأي العام عندما تفاقمت ظاهرة إخطاف و قتل الأطفال، أو حتى قرارات تافهة مثل توظيف النساء في ملاعب كرة القدم عوض أعوان الشرطة و التي سخر منها الرأي العام .. كل تلك القرارات و غيرها كثيراً، تأكد على التوجه الأحادي لسياسة السلطة اتجاه الرأي العام دون استشارته في أي منها.

إن طريقة تفادي التعامل مع إرادة الرأي العامالتي تنتهجها السلطة السياسية في الجزائر، ليست جديدة في السلوك السياسي لدى الكثير من الأنظمة الفاشلة، فعند وقوعها في أزمة داخلية و يَصعُب عليها حلها فإنها تتعمد في افتعال أزمة معينة سواء داخلية أو خارجية، لتوجيه الرأي العام الداخلي إليها و إبعاده عن الأزمات التي تتخبط فيها الفئة الحاكمة، و حتى لا نتهم بفرض موقفنا إزاء بعض الميادين دون الأخرى، فإننا نعتبر عالم كرة القدم عندنا أحسن استراتيجية في هذا الإطار، ففي كل مرة تظهر لنا قضايا غريبة في هذا الميدان، تجعل الرأي العام منشغل بها إلى أقصى الحدود و لمدة، كالفضائح التي صبغت مشاركة الوفد الجزائري في الألعاب الأولمبية في رييو ذي جانيرو البرازيلية في أوت 2016، وقبلها مقابلة الفريق الوطني في أم درمان يوم 18 نوفمبر 2009 في إطار تصفيات كاس العالم 2010، أو في قضايا سياسية كثيرة على شاكلة قضية الغاز الصخري في جوان 2014 و التي طغت على الفضاء العمومي لمدة طويلة، أو تعديل الدستور الذي لم يُعرض على الرأي العام للاستفتاء نظراً للتحفظات الكثير التي أبداها عنه 3.. أو  كسياسة المحاولة و الخطأ التي صبغت سياسة الحكومة في بعض القضايا الحساسة مثل قضية تقاعد أساتذة الطب التي أسر على تطبيقها وزير الصحة على هذه الفئة من ذوي 60 سنة فما فوق، ثم تم إعادة النظر فيها خلال أيام فقط من طرف الوزير الأول بعدما تعالت أصوات المنددة بها و بطريقة تطبيقها، و هكذا و في كل مرة و  في آخر لحظة يتدخل المسؤول الأول أو الثاني فيها و يلغي هذه القرارات في سلوك يعطي انطباع للرأي العام بأنّ السلطة حريصة على الاستماع  لانشغالاته و التكفل بها.

طبعاً لكل حالة من الحالات التي يكون عليها أو فيها الرأي العام، تتطلب استراتيجية دقيقة للتعامل معه، و نحن نعلم أنه ليس في كل تلك الحالات و حول كل تلك القضايا، ينبغي إعلام الرأي العام بها، فهناك قضايا تمسه مباشرة و ينبغي أن يكون على علم بها، و أخرى لا داعي من ذلك كقضايا الأمن الخارجي أو حتى بعضها من الداخلي .. لكن أن لا نشاركه في كل القضايا هذا ما لا يخدم الاستقرار في معادلة الحاكم بالمحكوم، فمقولة معاوية الشهيرة في إدارة توجهات الرأي العام جديرة بالتطبيق، حيث كان يقول: بيني و بين الناس شعرة لا تنقطع، فإذا أرخوها أشدها، و إذا شدوها أرخيها.

youceftemmar@yahoo.fr

 


الهوامش

1 Benjamin Ginsberg, (LES SONDAGES ET LA TRANSFORMATION DE L'OPINION PUBLIQUE), HERMÈS N° 51, Année 2001, P 183.

2 فتحي دايم، صناعة القرار السياسي والرأي العام .. الخلفيات و التأثيرات، مقال على الموقع، http://hmsalgeria.net/  

3 أنظر التعليقات الكثيرة للمواطنين في هذه القضية و غيرها - في جريدة الخبر اليومية على وجه الخصوص.

temmaryoucef1@hotmail.fr
temmaryoucef.ab.ma © 2017.Free Web Site