الانتخابات الأمريكية من منظور تقني


كيف يمكن قراءة تنبؤات وسائل الإعلام (الخاطئة)

في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة؟ *

 

وراء نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة التي فاز بها دونالد ترامب ب 47 %أي ما يعادل 59 611 678صوت، حقيقة تثير الانتباه و سوف تسيل الكثير من الحبر الصحفي و العلمي، و هي التنبؤات (الخاطئة) التي طرحتها مراكز سبر الآراء و وسائل الإعلام على حد سواء.

إن أكثر من 20 مركز لسبر الآراء، و 80 تحقيق فدرالي، و حتى الرئيس أوباما نفسه أخطو في تنبئاهم بالنسبة لهذه النتائج، و هذا شيء ضخم مقارنة بكثافة الحدث، حيث كانت هذه المراكز و تلك الوسائل تقدم المرشحة الديمقراطية هيلاري كلنتون و التي تحصلت على  59 814 018صوت، على أنها صاحبة الفوز بمقعد البيت الأبيض، إلى درجة أن العالم كله تبنى هذه النتائج على أنها حقيقة تعبر عن رأي المجتمع الأمريكي في اختياراته لرئيسه.

أعادت نتيجة هذا الوضع، الحديث عن مصداقية نتائج عمليات سبر الآراء و التنبؤات التي تُبنى عليها مضامين الصحف و التلفزيون، و أعيد أيضاً طرح قضية أن نتائج عمليات سبر الآراء لا يمكنها التكهن بحركات و توجهات و مواقف الرأي العام، و كانت من ضحية هذا الحدث، وسائل الإعلام و بخاصة الثقيلة منها، عن طريق تقديم (ربما قد يكون ذلك بطريقة مفتعلة) هذه التكهنات الخاطئة و أوهمت الرأي العام الأمريكي و من وراه العالم،  أن الرئيس المقبلة للولايات المتحدة هي هيلاري كلنتون، لكن ماذا حدث في الخفاء؟.

1 – اعتمدت وسائل الإعلام اعتماداً مفرط على نتائج سبر الآراء و لغة الأرقام التي تبنتهاالكثير  منها كخطاب

تفسيري للحملات الانتخابية، و نحن نعلم أن الأرقام تُظهر كل شيء و تخفي الأهم، و أكثر هذه الوسائل هي:

 New york Times, cnn,  cbs news,  wall streert journal..

فعلى سبيل المثال، قدمت صحيفة نيورك تايمز  التي تُعد من أكبر الصحف على المستوى الدولي و صانع السياسة الداخلية و الخارجية في الولايات المتحدة، نجاح كلينتون بنسبة 85%و هذا شيء يثير التساؤل لخلفية هذا التنبؤ الخاطئ، و سخرت من المرشح الجمهوري دونالد ترامب على أنه لن يتجاوز حدود 32 إلى 35 %.

2 – هناك محاولة لتوجيه الرأي العام إلى مترشح دون الآخر لأسباب سياسية، فقد حاولت العديد من وسائل الإعلام و منها الوسائل الثقيلة على شاكلة قناةCNNالتلفزيونية، "تغليط" الرأي العام الأمريكي عبر نتائج عمليات سبر الآراء في أن الرأي السائد ل 220 مليون ناخب، يتجه نحو هيلاري كلينتون، و هذا في الحقيقة من الناحية العلمية حسب رأي، تهاون في معرفة و تقدير تحركات الرأي العام و الاستخفاف به، خاصة و أن الرأي العام الأمريكي فسيفساء من الإثنيات و الأعراق، الأغلبية منهم لازال متمسك بثقافته الأصلية.

3 – إغفال الكثير من وسائل الإعلام توجهات الناخبين في المدن الصغيرة و المتوسطة (62 %صوتوا لصالح دونالد ترونب)، و التي اتضح في نهاية المطاف أنها هي التي شكلت الفرق، فالاعتماد على المدن الكبرى، كالفورنيا، واشنطن، بنسلفانيا، فلوريدا، داكوتا الشمالية .. لتمثيل كل الولايات المتحدة، تصور خاطئ و لا يشكل تلك المرآة الانتخابية العاكسة للشعب الأمريكي، فسكان المدن الصغرى و المتوسطة، هم من طبقة البيض الشعبية المتواضعة (60 %صوتوا لصالح دونالد ترونب) أو ما يطلق عليهم في الولايات المتحدة " منسيو العولمة" المتمسكون بمنصب عملهم و الخائفون من البطالة و لهم حنين إلى أمريكا الأربعينيات.

4 – اتجه دونالد ترونب في إدارة خطابه أثناء الحملة الانتخابية، عكس ما كانت تتنبأ به كبريات وسائل الإعلام، حيث لم تأثر خرجاته ضد الأقليات و الإثنيات (السود، ذوو الأصول الإسبانية المسلمون ..) في النتائج الانتخابية، حيث أنهم لم يتوافدوا بكثرة لصالح هيلاري كلنتون حتى يشكلون عقوبة انتخابية لدونالد ترونب، و هذا لأن عمليات سبر الآراء تناست أن هناك أمريكيون آخرون بين هذه الإثنيات و الأقليات التي شكلت في نهاية المطاف نجاح دونالد ترونب.

5 - يطالعنا خبراء تقنيات سبر الآراء، أنه لا يكفي تسخير أرمادا من الوسائل للقيام بعملية سبر الآراء، لكن المهم في التقنيات المستعملة لإنجازه، فقد قال بعضهم حول هذه الهفوة، أن الكثير من عمليات استطلاعات الرأي  تمت على عينة دورية أي تقريبا نفس المستجوبين في كل استفتاء، و هذا دون الأخذ بعين الاعتبار التغيرات التي يمكن أن تحدث في نفسية و الحالات الاجتماعية لهؤلاء، فبين واقع الحملة الانتخابية لسنة 2012 و التي فاز بها أوباما، و هذه الانتخابات، فرق كبير و على كل الأصعدة،

إن النتيجة التي يمكن استخلاصها من نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذه، هو أنه في الديمقراطيات الحقة، الشعب هو الذي يصنع و يختار الرئيس، و لا يكون من صنع وسائل الإعلام أو مراكز سبر الآراء.

 

أ.د. تمار يوسف

youceftemmar@yahoo.fr



* تم نشر هذا المقال في جريدة الخبر اليومية الجزائرية، يوم الجمعة 18 نوفمبر 2016، العدد 8334

temmaryoucef1@hotmail.fr
temmaryoucef.ab.ma © 2017.Free Web Site