الإرهاب و إشكالية العمل الإعلامي


الإرهاب و إشكالية العمل الإعلامي*.

أ‌. د. تمار يوسف.

 

الإرهاب ظاهرة قديمة نجد لها أثار بارزة في تاريخ الأمم و الشعوب، حتى أننا قد لا نجد تاريخ لأي أمة لم يسجل أفعال تدخل بطريقة أو بأخرى تحت وطأة الإرهاب، فهذه البرديات المصرية تخبرنا عن وقائع و أوجه الرعب و الذعر و العنف الناجم عن صراع دموي بين أحزاب الكهنة و غيرهم من أصار أفكار معينة، و على هذه الشاكلة و لأغراض مختلفة، رسم الإرهاب محطات عديدة من تاريخ الأمم، انطلاقاً من الثورة الفرنسية عام 1789م حيث اعتبرت غداة اندلاعها، الإرهاب نظام حكم، و ترتب على حكومة الإرهاب ما أصبح يسمى بعهد الإرهاب الفرنسي، و عليه فإن مصطلح الإرهاب أصبح له مغزى سياسي منذ ذلك الحين.

و يُعد فشل الثورة البولندية عام 1830 م، بمثابة إشعال النار في قلب الفوضوي باكونين حيث رفع شعار في إحدى مجلات الهيجليين يقول فيه " إن عاطفة التخريب و الهدم عاطفة خلاقة " (1).

ظهر الإرهاب المنظم حسب لاكور Laqueurفي النصف الثاني من القرن 19، و أوائل القرن 20، حيث شهدت كل أطراف المعمورة و ما تزال تشهد أعمال عنف منظمة تحركها بواعث متنوعة سواء كانت عرقية أو عنصرية أو سياسية، و ترتكب ضد الحكومات أو الأنظمة القائمة (2).

هناك أراء عديدة اتفقت على أن للإرهاب محتوى سياسي، فأعمال العنف من ذلك الصنف لا تكون لدوافع ذاتية أو لمصالح شخصية، و إنما العمل الإرهابي غالباً ما تأخذ أحداثه طابعاً درامياً يهدف إلى جذب انتباه أكبر قدر ممكن من وسائل الإعلام و الرأي العام، و من ثم فإن الهول و الفزع الذي تخلفه الأعمال الإرهابية لدى أكبر عدد من المواطنين، تأخذ بعداً إعلامياً كبيراً (3). فكيف يمكن للإعلام بمختلف وسائله أن يكون سلاحاً ناجحاً في مواجهة هذه الظاهرة ؟، قبل ذلك كان و لابد أن نوضح الإشكالية التي يطرحها هذا المفهوم، حتى يمكن أن نفهم طبيعة التناول الإعلامي المختلف.

 

إشكالية المفهوم.

جاء في تقرير مختصر عن جهود و إنجازات مجلس وزراء الداخلية العرب في مجال مكافحة الإرهاب و المنعقد بالجزائر عام 2000، أن الإرهاب هو مصطلح كثيراً ما تناقلته وسائل الإعلام المختلفة و تداولته المجتمعات و الأفراد، إلا أنه ما يزال مصطلحاً يكتنفه بعض الغموض، و تتضارب حوله الآراء و الأفكار. و قد باءت بالفشل المحاولات التي بذلتها الأمم المتحدة في الثمانينات، لعقد مؤتمر دولي لمناقشة و بحث هذا الموضوع، كما أنه بسبب تناقض الآراء و اختلاف وجهات النظر، لم تتمكن اللجنة المعنية بملف الإرهاب الدولي في ذات المنظمة، من التوصل إلى تعريف موحد لمفهوم الإرهاب، حيث إن ما تعتبره دولة ما عملاً نضالياً و كفاحاً مشروعاً يجب تأييده و دعمه، يعتبر لدى دولة أخرى عملاً إرهابياً يجب إدانته و مكافحته.

المشكل الذي يحمله مفهوم الإرهاب، هو في تحديد الأطراف، فحين يرى المؤتمر الإسلامي مثلاً، في المادة الثانية من اتفاقية المؤتمر عام 1999، أنه ينبغي عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول بحجة مكافحة الإرهاب، و يستثني في ذات الوقت حركات التحرير الوطني من تعريف الأعمال الإرهابية، فإن قرارات مجلس الأمن الدولي، توسع من دائرة هذه الأعمال، و ترفض الاستثنائية الواردة في المادة السابقة، فقد ورد في القرار 1377 المؤرخ في 12 نوفمبر 2000 أن المجلس، " يؤكد رفضه لكل أفعال الإرهاب و وسائله و ممارسته، و يعتبرها أفعال إجرامية لا يمكن تبريرها، و ذلك بغض النظر عن أسبابها مهما كانت و مظاهرها و كيفما كانت الجهات التي ارتكبتها و أينما ارتكبت "، على نفس الوتيرة صادقة الجمعية العامة ل Interpoleقبل ذلك التاريخ، على قرار واحد حُدد فيه مفهوم الإرهاب كالتالي " نشاطات إجرامية عنيفة تتبناها جماعات منظمة، قصد نشر الرعب و الخوف لمحاولة الوصول إلى أهداف مزعومة سياسية " (4).

و على هذا الأساس، فقد تمت عدة تعديلات على معنى الإرهاب في القوانين الدولة و التشريعات الصادرة عن الأمم المتحدة، و رغم ذلك بقي مفهوم الإرهاب يتجه منهجاً لغوياً أساسه عنف منظم و متصل بقصد خلق حالة من الرعب و التهديد العام، الموجه إلى دولة أو جماعة سياسية، و الذي ترتكبه جماعة منظمة بقصد تحقيق أهداف سياسية (5).

و ما بقي لنا في تلك المتاهات التعريفية لمصطلح الإرهاب، إلا أن نقول أنه عمل يحدد من خلال انعكاساته و ليس من خلال تعاريفه، إذ القضية أرادها غيرنا فلسفية و لكنها إجرامية في المقام الأول. فإذا لم يكن هناك اتفاق حول مفاهيم الإرهاب و أسبابه، فإنه على الأقل يوجد اتفاق حول نتائجه التي تتشابه في كل المجالات حول الدمار و هدر الأرواح و الممتلكات.

 

إشكالية الإرهاب كمادة إعلامية.

تلعب وسائل الإعلام دوراً هاماً في نشر الخبر و تحليله و المساعدة على فهم ما يقع من أحداث، كما لها دور كبير أيضاً في التأثير على الرأي العام و الاتجاهات الفكرية للجمهور المتلقي، و قد يكون هذا التأثير إيجابياً إذا تحلى بالصدق و الأمانة و الموضوعية، و قد يكون سلبياً إذا أسئ استخدامها و فشلت الرسالة الإعلامية من حيث المضمون، في أداء مهامها المتمثلة أصلاً في التوعية و التربية و التثقيف.

لقد أثبتت عدة دراسات ميدانية و أخرى نفسية، أن الفرد أكثر ميولاً لوسائل الإعلام المرئية - المسموعة أي التلفزيون، ففي إحدى نتائج سبر الآراء قامت بها إحدى الدوريات الأمريكية تأكد أن التلفزيون جاء في المرتبة الثانية بعد البيت الأبيض من حيث السلطة و النفوذ، بينما جاءت الصحف في المركز الثاني عشر و الإذاعة المركز السابع عشر، فإذا كان قراء الصحف يعدّون بالملايين في العالم، فإن مشاهدي التلفزيون يعدّون بمئات الملايين، و على هذا يبقى التلفزيون من أكثر الوسائل الإعلامية متابعة من طرف الأفراد لما لديه من مميزات تجعله يحتل تلك الرتبة نص + صورة + صوت، إضافة إلى تحقيق التزامن بين وقوع الحدث و بين زمن العرض (6).

يتعمق تطور العنف في المجتمع بالمزايدة و الإفراط في عرض الصور العنفوانية، أي المشاهد الأكثر عنفاً و وحشية عبر الشاشات التلفزيون، لأنه يضفي على هذه الحالات الدراما و الهستيريا، و لأن من خصائصه هو أنه بإمكانه إعطاء وهم بالمصداقية المطلقة، من خلال تقديم الصورة السمعية – البصرية، و الصورة التلفزيونية من حيث المبدأ هي نقل حقيقي و كامل للواقع أو جزء منه.

و لعل موضوع الإرهاب، من المواضيع الأكثر حساسية من حيث التناول الإعلامي، فقد اتُهمت في كثير من الأحيان وسائل الإعلام، – بقصد أو بغير قصد -  بالتحريض و التضليل و نشر الأفكار المتطرفة باسم مساحات الحرية المتاحة، كما اتهم البعض الآخر – الإعلام العرب الرسمي على وجه الخصوص– بعدم القدرة على المواجهة، فقد اعتبره محمد البصري عضو مجلس الأمة الكويتي على أنه " بدون هدف أو رسالة واضحة سياسية كانت أو اجتماعية أو تربوية، أصبح بالتالي بلا لون و لا طعم و لا رائحة و قد فقد ثقة متابعيه و جمهوره و دفعهم للبحث عن المعلومات لدى أية جهة توفرها، مما يتم استغلاله حالياً من قبل الفضاء الإعلامي المزدحم بالقنوات " (7)، في كل هذه الاتهامات يوجد جزء من الحقيقة، فالإرهابي يحتاج إلى الإعلام، و يعتبره سلاح إستراتيجي لابد من جذب انتباهه، و الإعلام قد يخدم أهداف الإرهابيين بنشر أقوالهم و أفعالهم، و تضخيم قوتهم دون قصد، ليعطي بذلك للإرهاب صدى إعلامي واسع، و على هذا يصبح الإعلام بمختلف وسائله – خاصة السمعية البصرية منها – دعامة لأعمال الإرهابيين من خلال التطرق إلى أعمالهم بشكل مفرط و نوع من المزايدة، عبر الصور و التقارير و التعليقات الصحفية المؤثرة، التي تحقق مصالح مهنية و اقتصادية مؤكدة لوسائل الإعلام، و يتحول الإرهاب إلى مادة إعلامية للمتاجرة قصد تحقيق أرباح مادية.

إن الإشكالية في اعتقادنا، تكمن في الوظيفة التي يجب أن يقوم بها الإعلام إزاء الرأي العام، و هي إشكالية لا طالما تحدث عنها منظرو الإعلام الجماهيري، مفادها هل يجب إعطاء الجمهور ما يريد أو إعطاؤه ما يحتاج إليه ؟ في الحقيقة أن هذه الإشكالية ليس لها إجابة وافية قاطعة، فهناك من يرى أن وسائل الإعلام من واجبها إخبار المواطن على كل ما يجري في محيطه، و هناك من يرى أن هذا قد تكون له انعكاسات سلبية على نفسية الفرد أو على توجهاته الاجتماعية.

 

التلفزيون و الإرهاب و جدلية التناول.

هناك أصوات تنادي بعرض الوقائع الإرهابية – خاصة المصورة منها - حتى يعلم الناس مدى وحشية العمل الإرهابي و الإرهابيين، و بتالي يجد القائمين على مكافحته السند اللازم لدى الرأي العام و التعاون، و من ثمة يساهم التلفزيون ببثه لهذه الصور في فضح الإرهابيين و أعمالهم الوحشية التي لا تميز بين طفل أو عجوز أو امرأة، فجميع شرائح المجتمع مستهدفة دون تمييز، ثم عن طريق بث تلك الصور و الحقيقة عن الإرهاب، قد يخلق معارضة عند المواطنين و منه سند استراتيجي هام لمكافحة الإرهاب.

أما البعض الآخر، فهو يرى أن عرض مثل تلك الصور قد يكون له انعكاس سلبي على نفسية بعض الفئات من الناس و تجعل الخوف متغير يجعلهم سلبيين في الحياة العامة بل و قابلين لواقع الإرهاب، علاوة على أن بث تلك الصور بكل بشاعتها عمل دعائي قد يستفيد منه الإرهابيين و يجدون في نشر أعمالهم حافز للمزيد من الأعمال و الترهيب، قصد الاعتراف بهم و معالجة قضيتهم، لأنهم يعتقدون أنهم أصحاب قضية.

في هذا الاتجاه يجد التلفزيون نفسه أمام إشكالية جد صعبة، فإن تعرض للإرهاب كمادة إعلامية عن طريق تقديم الصور و أعمال الإرهابيين، فإنه قد يكون في خدمة الإرهابيين بطريقة غير واعية و غير مقصودة، أما في حالة تجاهل الإعلام للعمل الإرهابي، فإنه يتنكر لرسالته السامية، و المتمثلة في إطلاع الرأي العام على حقيقة ما يحدث من أحداث و وقائع مهما كانت سلبية (8).

لذلك و في الكثير من الأحيان، اعتبرت وسائل الإعلام السمعية – البصرية، سلاح ذو حدين و ذلك حسب الطريقة التي يمكن أن يوظف بها، من جهة هي قادرة على معالجة الظواهر التي قد تستفحل في المجتمع ( المخدرات، مكافحة الفساد و الرشوة..)، و من ناحية أخرى كانت وسائل الإعلام هذه، سبب في ظهور بعض الآفات.

 و لهذا السبب اقترحت اللجنة الخاصة بموضوع الإرهاب الدولي التابعة الأمم المتحدة على الدول، أن تحصر تغطيتها الإخبارية للأعمال الإرهابية في حدود ضيقة، و ذلك لحرمان الإرهابيين من تحقيق هدفهم، المتمثل في الحصول على أكبر دعاية دولية ممكنة لعملياتهم (9).

و نحن بدورنا نحاول وضع بعض الاقتراحات في الكيفية التي يمكن أن تتعامل بها وسائل الإعلام – و على رأسها الوسائل السمعية البصرية - مع ظاهرة الإرهاب تجنباً للوقوع في المساوئ الناجمة عن تأثيرات التعامل الإعلامي مع هذه الظاهرة:

* تشجيع المؤسسات الإعلامية على ممارسة دورها في الترويج لثقافة الحوار وإشاعة روح التسامح القائم على الاعتراف بالتعددية الثقافية.

* إيجاد خطة إعلامية عملية مشتركة و مستمرة للتعامل مع ظاهرة الإرهاب، و أن لا يكون هذا التعامل في شكل ردود أفعال مؤقتة لأحداث إرهابية متفرقة.

* ينبغي إيجاد نوع من التوازن بين الاهتمام الإعلامي بالإرهاب، و حجم مخاطره على المجتمع، و قد يتأتى ذلك عن طريق تناول الظاهرة في حجمها الحقيقي دون تهويل أو تهوين.

معالجة إعلامية موضوعية و معتدلة عند محاولة الكشف عن الإرهابيين و أعمالهم و هذا يتوقف على توفر شرطين أساسيين:

1 – الإسراع في تغطية الحدث و تقديمه في اقرب الآجال، مع توفير المعلومات و البيانات الكافية عنه، هذا الإسراع قد يحد من تكوين خلفية يمكن من خلالها تفسير ما حدث، فالالتزام بنشر المعلومات للجمهور في أسرع وقت ممكن، يؤدي إلى عدم لجوء المواطن إلى القنوات الأجنبية لمتابعة الحدث و الوقوف على حقيقته، مع العلم أن هذه القنوات تسعى دائماً إلى تضخيم الأحداث بما يتناسب و أهدافها و وجهت نظرها مما قد يؤدي  بدوره إلى ظهور الإشاعات و البلبلة قصد تغليط الرأي العام.

2 – التحلي بقدر كبير من الموضوعية و الدقة في التغطية الإخبارية للأعمال الإرهابية، و أن الميول و العاطفة لا تفيد كثيراً في تحديد خطورة الظاهرة و حقيقتها، لذلك يبقى التركيز على أهمية التحقق من صدق المعلومات و موضوعيتها، و تقديم الوقائع بصورة مجردة، هو لب الإعلام الموضوعي المحايد.

       و حتى يتأتى لنا ما سبق من شروط في عملية مكافحة الظاهرة الإرهابية، ينبغي التنسيق بين وسائل الإعلام المختلفة من صحافة مكتوبة، مرئية و مسموعة لإيجاد الكيفية المثلى و الموحدة للتعامل الإعلامي مع هذه الظاهرة، باعتبارها آفة خطيرة يصعب التحكم فيها إعلامياً.

كما يمكن لوسائل الإعلام إذا توفرت لديها المهنية و الأخلاقية، أن تساهم في ظهور جمهور واعي يدرك أهمية القضايا المطروحة كقضية الإرهاب، و يقتنع بضرورة المشاركة في معالجتها، و عدم تركها للحكومات و حدها.

 


* تم نشر هذه الدراسة في مجلة الإذاعات العربية العدد 3-4 2007

الهوامش :

(1) غبراهيم نافع، كابوس الإرهاب و سقوط الأقنعة، القاهرة : مركز الأهرام للترجمة و النشر، القاهرة ، 1994، ص 27.

(2) محمد عزيز شكري، الإرهاب الدولي – دراسة قانونية ناقدة – بيروت : دار العلم للملايين، 1991، ص 23.

(3) نصيرة تامي، المعالجة الإعلامية لظاهرة الإرهاب في الجزائر من خلال التلفزيون الجزائري. مذكرة ماجستير في علوم الإعلام و الاتصال، جامعة الجزائر : كلية العلوم السياسية و الإعلام، 2004، ص 4.

(4)   André bassard, La criminalité internationale, Paris : Presse universitaire de France, 1988, P 13.

(5)République Algérienne, Conseil de la nation, commission de la défense national, mondialisation et sécurité, Actes du colloque international mondialisation et sécurité, Alger 4-7 mai 2002, P105.

(6) أ. بوريتسكي، الصحافة التلفزيونية، ( ترجمة : أديب خضور )، دمشق : المكتبة الإعلامية، 1990، ص 42.

(7) ندوة ( التطرف و الإرهاب ) جريدة الشرط الأوسط، العدد 9855، ليوم الاثنين 19 شوال 1426 ه 21 نوفمبر 2005.

(8) نصيرة تامي، مرجع سبق ذكره، ص 78.

(9)  Michel wieviorika et Dominique wolton, Terrorisme à la une, terrorisme et démocratie, Paris :édition Gallimard 1987, P 78 

temmaryoucef1@hotmail.fr
temmaryoucef.ab.ma © 2017.Free Web Site