منهجية من نوع آخر للتأمل


منهجية من نوع آخر للتأمل.

الأستاذ الدكتور تمار يوسف.

 

تسعى هذه الالتفاتة إلى عرض أخطاء منهجية من نوع آخر أي تلك التي لا تتطرق لها الكتب المنهجية إلا ما نذر، و بالتالي قليل من يجد لها إجراءات تسمح له يتفاديها، فهي تلتهم التفكير العلمي المنهجي لطلابنا و باحثينا، و من المؤكد أن الطرح الذي سيأتي لا يخص كل الباحثين أو كل طلبة الدراسات العليا، بل الأغلبية منهم، و الهدف من ذلك ليس التوبيخ و الاحتقار،  بل بالعكس الوقوف عند كل إجراء خاطئ بشيء من التأمل لمحاولة تصحيحه، و لتكون البحوث العلمية أكثر علمية و مصداقية، فرحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي.

و لأن الأوضاع الخاطئة كثيرة و متنوعة، فإننا سوف نحاول تصنيفها وفق فئات عسى أن يستفيد منها القارئ خاصة إذ كان على أبواب القيام ببحث علمي، من جهة أخرى لا تُعد هذه الأخطاء، معرفية أي خاصة بالمعارف المنهجية في حد ذاتها، بقدر ما هي خاصة بأوضاع  تراكمت عبر الزمن، و أوضاع من صنع السياق أكثر من صنع الأشخاص (الطلبة و الأساتذة)، و هذه المحاولة ليس محكمة لأحد، بل للنسق الذي تُنتج فيه البحوث العلمية عندنا.

 

أولاً: فئة الأخطاء العامة.

-       عدم التعامل النقدي مع مضامين المراجع المُستعملة، إذ في الكثير من الأحيان يعتمد الباحث أو الطالب على بعض المراجع متى وجد فيها المعلومة التي يبحث عنها، دون أدنى تمعن في إمكانية حملها لأخطاء، و بعدها يبرر الباحث تلك الأخطاء على أنه وجدها هكذا في مصدرها، و في الحقيقة هذا التبرير غير علمي لأنه من مهام الباحث النقد و التمعن في منطقية و حقيقة المعلومات التي يستعملها، أليس البحث ملك له لا لغيره؟.

-       عدم تصنيف المراجع التي يعتمد عليها الباحث من حيث مصداقية كُتّابها، ذلك أن بعض الكتب ضعيفة من حيث المعارف المنهجية السليمة، حتى أننا نشك في كون كاتبها على دراية كافية بعلم المنهجية.

-       اعتماد الباحث على دراسات علمية (ليسانس أو ماستر أو ماجستير أو حتى دكتوراه) لم تًصحح من طرف صاحبها بعد خضوعها إلى النقد و إبراز الأخطاء الوارد فيها من طرف لجان المناقشة، فبعد حصول الطالب على الدرجة العلمية المستهدفة، لا يعطي لنفسه عناء تصحيح تلك الأخطاء، فهي توضع بأخطائها  في المكتبات و تصبح مرجع لكل من أرادها.

-       للأسباب السابقة، يمكن أن يقدم الباحث ببحث ضعيف يكون مرجعاً ضعيفاً لمن يستعين به، و هكذا تستمر الأخطاء في التداول بين الباحثين.

-       ضعف اللجوء إلى المراجع باللغات الأجنبية الأخرى، سواء لضعف اتقان الباحث للغات الأخرى، أو تفادياً لعناء الترجمة إلى اللغة العربية، مما يقلص آفاق المعلومات المنهجية و يحرم الباحث من النظرة المقارنة للتجارب و المعارف الأخرى.

 

 

ثانياً: فئة ضعف التكوين.

-       إذا كانت مهمة الباحث في إنجاز بحثه تقدر ب 80%  فإن المأطر تكون نسبة مشاركته 20 %منه، ولكن وفق شروط، لعل أبرزها التخصص، و كحد أدنى للقيام بعملية التأطير، هو اكتساب المعارف المنهجية التي يساعد بها الأستاذ الطالبة، ألم يكون هذا الأستاذ في يوم ما باحثاً؟.

-       سقوط المواد المنهجية في التميع الذي تشهده بعض المواد في تلقينها في الجامعة، إذ تغيب الأبعاد التطبيقية لهذه المواد مما يدفع الطالب إلى تلقيها على نفس النمط الذي يتلقى بها المواد الأخرى قصد الحصول على الدرجات التي تسمح له بالتدرج فقط، مما يفقد معها كل تفكير تقني لطبيعة المنهجية و ما يدور في فلكها من إجراءات.

-       ضعف مستوى الأساتذة المشرفين على المواد المنهجية، فهل يعقل أن يشرف استاذ لا زال في إطار إنجاز بحثه (ماجستير أو دكتوراه) على مواد منهجية، و معارفه المنهجية لم تخضع إلى التقييم من طرف لجنة المناقشة أو خبراء؟.    

 

ثالثاً: فئة الأخطاء التقنية.

-       من المؤسف و نحن نقول هذا الكلام، أن الأنترنيت استُعمل في غير الوجهة الصحيحة، كنا نعاني من نقص المراجع فيما سبق، و الآن توفرت لدينا المراجع لكننا استعملناها بطريقة غير علمية، فالصق و القص copier collerمبدأ أساسي لمن ليس له مبدأ، بل أبعد من ذلك فهناك من ينسب لنفسه كل البحث و هو لم يكتب فيه حرفاً واحداً، و هذا بكل صراحة سرقة علمية يخجل لها المريء.

-       غياب العمق في مناقشات البحوث العلمية و على كل المستويات، فقد أصبحت تلك المناقشات معرض للمحاضرات كلن في ما يناسبه، و هكذا تبتعد عن مناقشة ما طرحه الباحث في موضوعه.

-       سوء اختيار أعضاء لجان المناقشة، فصراحة تقوم هذه الأخيرة على المحاباة أكثر من قيامها على تخصص كل عضو في الموضوع محل المناقشة، خاصة إذ علمنا أن الترقيات و بعض عمليات التقييم للتربصات، تُقيم على عدد الأبحاث المناقشة أو المأطرة، و عليه لا يهم الكيف يقدر ما يهم الكم.

 

رابعاً: فئة الأخطاء النفسية.

-       قليل جداً ما يقوم الباحث عندنا، ببحث من أجل البحث، فأغلبية البحوث المُنجزة هي للحصول على درجة علمية معينة، مما يخلق لدى الباحث اعتقاد أن بحثه تحصيل حاصل، فمتغير الوقت و التسرع في الإنجاز، وضغط الإدارة ب "أخر أجل"، و إلحاح المشرف على الإسراع في الإنجاز لأنه ذاهب في عطلة ..، يجعل الباحث في حالة نفسية لا يحسد عليها، و يكون قراره إما الانتهاء بأي شكل من الأشكال ولو على حساب المعارف العلمية، إما التخلي نهائياً على انجز بحث.

-       انفصام  تام بين الباحث و بحثه، ففي أغلب الأحيان لا تربط الباحث ببحثه أي علاقة نفسية تشجعه للقيام به، فهو في واد و بحثه في واد آخر، و يرجع ذلك في الأغلب الأعم إلى سوء تطبيق الإجراءات المنهجية في اختيار البحوث، و قد يكون ذلك في أحيان أخرى، سوء تدبير الأستاذ المشرف – أو بقصد - في عرضه للمواضيع على طلبته، فهم احتراما له، يقبلون أي شيء دون مناقشة.

-       عدم الاتصال المستمر بين الأستاذ المشرف و الطالب (أو الطلبة) فنحن لا نفهم لماذا في عصر التكنولوجيا التي تساعد على ذلك من أي مكان و في أي وقت، و لا نفهم من أستاذ يقبل الإشراف و لا يريد أن يتصل به أحد، و قد تكون القضية معاكسة، أي أن الطالب لا يترك فرصة إلا و اتصل بمشرفه في كل صغيرة أو كبيرة، فليس لدينا تقاليد أخلاقية في هذا الإطار.  

 

و يغض النظر عن الأخطاء التفننية التي قد تعود إلى استعمال التقنيات و المناهج و القياسات، - و هذا حديث آخر يمكن التطرق له في مناسبات أخرى -، فإننا نعتبر أن ما سبق ذكره  قليل الاهتمام من طرف المختصين في المنهجية، لأن المنهجية هي مزيح من كل تلك الأبعاد، فما الداعي من أن يتقن الباحث التعامل مع بحثه من الناحية العلمية، و هو لا يأمن بما يقوم به، أو ما لداعي أن ننجز أبحاث لا نشعر أنها من انتاجنا، و ما الداعي من القيام ببحوث علمية ضعيفة ثم نفتخر بأننا أنجزنا هذه السنة 12 رسالة ماجستير، و 07 دكتوراه؟، لقد حان الوقت أن نطبق المنهجية على أنفسنا أولاً، و على تعاملنا مع طلابنا ثانياً لأنهم مرآة عاكسة لمستوانا كأساتذة.

temmaryoucef1@hotmail.fr
temmaryoucef.ab.ma © 2017.Free Web Site