اسلوب البحث العلمي


أسلوب تحليل البحوث العلمية.

أ.د تمار يوسف.

 

و نحن نبحر عبر مواقع الإنترنيت* للاطلاع على ما قاله غيرنا في اسلوب البحث العلمي، شد انتباهنا الخلط الواضح في المعنى المقترح لهذا المفهوم، فعدد كبير من تلك الكتابات تعرض مختلف طرق إنجاز البحث العلمي كطريقة بناء الإشكالية و طرح الفرضيات و كيفية عرض المناهج .. على أنها أسلوب تحليل البحث العلمي، و التي نعتقد نحن أنها تدخل في إطار طريقة هيكلة البحث العلمي و ليس أسلوب البحث العلمي، لأنها تدخل في الكيفية التي تنظم بها البحوث العلمية.  

مهما كان تحكم الباحث بتقنيات المناهج و أدوات البحث العلمي، و مهما كانت أهمية البحث الذي هو بصدد تحليل معطياته، و مهما كانت دقة تنظيم الباحث لعمله، فإنه تمة بعد يمكن أن يحدث الفرق بين بحث وآخر و باحث وآخر، و هذا البعد هو أسلوب التحليل.

أسلوب التحليل، هو الكيفية التي يطرح بها الباحث أفكاره حول موضوع ما و الطريقة التي يمكنه إيصال تلك الأفكار لغيره، حيث تُعد هذه الطريقة من أهم الإجراءات التي تحدد طبيعة البحث و نتائجه، و عليها أيضاً يتوقف فهم القارئ لما يصبو إليه الباحث من خلال إشكاليته و أهدافها، فالأسلوب الجيد لا يترك عادة غموض في الأفكار المعروضة و فهمها.

 

التشويق و الرغبة في الاستمرار.

الأسلوب العلمي الجيد، هو الأسلوب المشوق، الذي يجذب القارئ إلى الاستمرار في محاولة فهم ما سيأتي، و يولد لديه الرغبة في الاطلاع عليه، لأن التفاعل بين الفرد و الكتب مثلاً، هو تفاعل نفسي، بمعنى أن الرغبة هي المحدد الأساسي في اطلاعنا على هذا الكتاب أو ذاك، و هذه الرغبة لديها عدة تمويلات منها التشويق، و البلاغة و العبارات و الجملة و التراكيب و الكلمات المستعملة، و قد يعود ذلك إلى قوة إيجاد الكلمات و العبارات الأكثر دلالة للفكرة التي يريد الكاتب إيصالها إلى القارئ.

و هذه القدرة على التشويق في الأسلوب العلمي، لا تأتي بعصى سحرية أو ينشأ الفرد عليها بالفطرة، بل هي نتيجة المطالعة المكثفة للكتب و البحوث و الدراسات التي مع الوقت تكوّن لدى الفرد مخزون لغوي تشويقي كبير يمكنه من خلاله التعبير عن أفكاره بكل سهولة.

 

الاختصار الدال.

حتى في تفاعلنا اليومي مع الآخرين، هناك من يصف لك حادثة في وقت طويل و قد لا يستطيع إيصال الصورة التي يريدها إلى ذهنك، أو تفقد أنت الانتباه مع مرور الوقت الطويل في الاستماع له، و هناك من له القدرة على إيجاد الكلمات الدالة للتعبير عن نفس الحادثة في وقت موجز و مختصر، و يشد انتباهك و قد تتفاعل بالسؤال معه عن الحادثة، كما أن هناك من يضيف منبهات لفظية لإضافة الطابع الدرامي لحكايته، إذن الاختصار و اختيار الكلمات و العبارات و التراكيب الدالة عن الموضوع، من بين أهم أسس الاتصال الناجح، و هكذا الأمر في الأسلوب العلمي، الذي قد يحتاج إلى تلك المعادلات أكثر من حكاياتنا اليومية.

فعوض أن تكتب في الأسلوب العلمي:

-       بعد التحاليل التي رأيناها في الفصول السابقة من الدراسة كالفصل الأول و الثاني و الثالث، و بعد ما أثبتنا مما لا يدع مجال للشك، و عرضنا ما يمكن عرضه للإجابة عن الإشكالية و تساؤلات الدراسة بكل موضوعيه، وصلت الدراسة إلى  ....

من الأفضل كتابة:

-       وصلت الدراسة بعد العرض السابق، إلى ....

المنطق أهم معيار في البحث العلمي.

لعل الربط بين الأفكار منطقياً في الأسلوب العلمي، هو المحدد الأساسي بين البحوث العلمية و الأنواع الأخرى من الكتابات (الأدبية، الصحفية ..)، فالباحث في الأسلوب العلمي مقيد بمبدأ من أين لك هذا؟ و كيف وصلت إلى هذه النتيجة؟ و كيف تفسر هذا؟ فليس هناك تنميق و تلوين في البحث العلمي إلى ما يمكن أن يوصل إلى نتيجة يقتنع بها القارئ، فالكثير من البحوث العلمية لا تكون ذات فائدة لفقدانها لنتائج منطقية يمكن الاستعانة بها في حل بعض المشاكل خاصة فيما تعلق بالآفات الاجتماعية و أسبابها الحقيقة، أو كعدد متتبعي القناة التلفزيونية الفلانية، أو كدراسة رغبات المشاهد من البرامج المتنوعة، فإن لم تكن هذه الدراسات مبنية على المنطق في الطرح و المقاربة و الأدوات المستعملة، فإنه بلا شك سوف لن تكون النتائج إلا ضعيفة و غير ذات فائدة.  

فالأسلوب العلمي المبني على معطيات و تحاليل منطقية، هي تلك الأساليب التي تعتمد على دلالات واقعية على شاكلة الإحصائيات الرسمية، أقوال من مصادر رسمية، قوانين دساتير .. أي كل ما من شأنه أن يجعل الفكرة معقولة و مقبولة.

                       

التناقض، أسوء ما يمكن أن يصيب البحث العلمي.

نقصد بالتناقض ها هنا، أن يطرح الباحث فكرة في محطة من محطات بحثه، و يطرح عكسها في محطة أخرى، و هنا ينبغي التفرقة بين طرح فكرتين (أو نظرتين) متناقضتين لتحليلها و تصنيفها و عرضها كأسلوب من أساليب البحث العلمي، و بين عدم ضبط الباحث ما يطرحه من أفكاره و تناقضها، فمثلا قد يطرح الباحث في الصفحة 63 من دراسة حول أثر برامج الرسوم المتحركة على أطفال السنة الثانية ابتدائي، فكرة أن هذه الأخير تأثر سلبا على التحصيل الدراسي للطفل، بينما في الصفحة 203 يطرح نفس الفكرة لكن بصيغة متناقضة حيث يرى أن برامج الرسوم المتحركة قد تروح عن نفسية الطفل و تجعله مستعداً للمطالعة و تقبل الأفكار و الحفظ، مما قد ينعكس إيجابيا على تحصيله الدراسي.

و بصراح العبارة، البحث الذي يحمل التناقض "السلبي"  قد يشكك حتى في الباحث نفسه و في صدقه و صدق ما يقصده من بحثه هذا، وفي أمانته و أخلاقياته العلمية، لكننا في نفس الوقت نحن لا نقصد الخطأ الذي هو جزء من البحث العلمي إذ كان الخطأ موضوعي، فليس هناك بحث كامل متكامل من كل الجزئيات إلا ما نذر، و تصحيح الأخطاء و مناقشتها سر استمرار و نجاح البحوث العلمية، بل أبعد من ذلك فإن تحديد الخطأ و تصحيحه جزء من نجاح البحث، فعلى الباحث أن يركز فيما يحلله و يعرضه و يأمن به.

 

 

 

الأخطاء المطبعية و اللغوية.

اللغة تهيكل الفكر هكذا يُقال، فإذ طرحت فكرة خاطئة، فإنها تُفهم خطأ أو لا تفهم أصلاً، فالكثير منا تعود على محاولة تبرير أخطاءه على أساس أن المستمع أو القارئ لم يفهمه فيما يقصد، لكنه من المفروض أن الفكرة الواضحة لا تحتاج إلى تعليل، و أن القارئ لا يعرف نوايا الباحث، لهذا فإن الخطأ المطبعي أو اللغوية يأثر سلباً على أسلوب البحث العلمي.

لبعض الجامعات أعراف في هذا الشأن، حيث تسمح بنسبة معينة من الأخطاء المطبعية و هذه النسبة تكون ضعيفة جداً لا تتعدى 05 بالمئة، أي النسبة التي لا تأثر على البحث و توجهاته، لهذا ينبغي أن يدقق الباحث في سلامة بحثه من الناحية اللغوية و المطبعية، أو يقدمه إلى خبراء في اللغة و تقنياتها، كما نشير هنا إلى بعض الأخطاء التي لا ينبغي الوقوع فيها مهما كانت التبريرات و هي تدوين الآيات القرآنية، لأن الباحث يُفترض أنه يعود إلى كتاب الله في ذلك و لا يكتب الآيات كما يحفظها أو يدركها، كما أن تدوين التواريخ عن طريق الخطأ غير مقبولة ايضاً، لأن الباحث يمكنه الرجوع إلى القواميس و الموسوعات و حتى الإنترنيت ..

ملخص القول، أن الأسلوب العلمي هو العمود الفقري للبحث العلمي، علاوة على مصداقية نتائجها، كما يعكس مستوى التعليم في أي جامعة أو دولة أو مجتمع، فعلى الباحث أن يسخر كل طاقاته الفكرة – و في بعض الأحيان المادية – في إنجاز يحمل الحد الأدنى من المعقول العلمي، و حتى و إن لم يكن كذلك فهو على الأقل صاحب الفكرة المضبوطة و المعقولة و بأسلوب علمي دقيق. 

  

 

 

 



* أنظر على سبيل المثال هذا الموقع: http://www.ergo-eg.com/comm/sr08.pdf

 

temmaryoucef1@hotmail.fr
temmaryoucef.ab.ma © 2017.Free Web Site