الأطر الخبرية لقضايا الإرهاب


الأطر الخبرية لقضايا الإرهاب في البرامج الحوارية على الفضائيتين الإخباريتين "الجزيرة" و"العربية". – دراسة تحليلية مقارنة -.

د. نصيرة تـامي

كلية علوم الإعلام والاتصال.

العنوان الإلكتروني: taminacera16@gmail.com

 

الملخص:تسعى هذه الدراسة إلى رصد الأطر الخبرية التي تم استخدامها من طرف الفضائيات الإخبارية العربية المتخصصة، والتي تم تحديدها في كل من قناة "الجزيرة" وقناة "العربية". ووفقاً لمعظم نتائج البحوث الإعلامية التي أجريت في السنوات القليلة الماضية، تفوقت كل من قناتي "الجزيرة" و"العربية" الإخباريتين على القنوات الإخبارية الأخرى في تشكيل معارف الجمهور العربي تجاه مختلف القضايا من بينها قضايا الإرهاب.

         ومن هذا المنطلق تهدف الدراسة التعرف على حجم الاهتمام الممنوح لظاهرة الإرهاب على الخارطة الإخبارية للفضائيتين الإخباريتين "الجزيرة" و"العربية" وتحديد نقاط الاختلاف بينهما، قصد الوقوف على الكيفية التي عالجت بهما القناتين الظاهرة الإرهابية وتداعياتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

الكلمات الدالة:الأُطُر الخبرية – ظاهرة الإرهاب – الفضائيات الإخبارية العربية المتخصصة – الإعلام الفضائي – البرامج الحوارية – السياسة التحريرية – أُطُر الأسباب – أُطُر الحلول – القوى الفاعلة.

 

مقدمة:أصبح الإرهاب ظاهرة عالمية تجتاح معظم مناطق العالم بدرجات متفاوتة، حيث تطلعنا وسائل الإعلام بوقوع العديد من الأحداث الإرهابية في مختلف بلدان العالم التي أصبحت تعاني من الإرهاب، وبدأ هذا الأخير التوغل في أعماق المجتمع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى ظهور الحركات اليسارية في أوروبا الغربية واليابان وفرنسا وإيطاليا ... نتيجة ظهور أفكار وإيديولوجيات تهدف إلى التغيير السياسي، وكان ذلك في نهاية ستينيات القرن العشرين(1). كما يشهد الوطن العربي تنامي ظاهرة الإرهاب وتعدد المنظمات الإرهابية التي تهدف من وراء أعمالها الإرهابية إلى زعزعة الأمن والاستقرار وانتشار الرعب والخوف في نفوس الأفراد، حيث تتسبب في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا الأبرياء. فالإرهاب هو ظاهرة تاريخية عرفها العالم منذ وقت بعيد، والتي لا تزال تأثيراتها السلبية مستمرة إلى غاية وقتنا الراهن خاصة خلال العقدين الأخيرين، حيث أصبح ظاهرة خطيرة تهدد مختلف دول العالم، مع تفاوت الأسباب التي تؤدي إلى ظهور الأعمال الإرهابية بين دولة وأخرى(2). وتزايد استخدام كلمة "الإرهاب" بشكل كبير في جميع وسائل الإعلام العربية والأجنبية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية وتكوين ما يسمى "بالتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب" مبتدئا بأفغانستان. وتُمثل وسائل الإعلام أحد مكونات النظام الإتصالي حول الإرهاب فكرا وممارسة وتداعيات، فهي تساهم إلى جانب دورها والمتمثل في إحاطة الجمهور بتطورات الأحداث الإرهابية إلى إحداث وحدة في الفكر العام للمجتمع وصياغة رأي عام متفق عليه تجاه الإرهاب(3). ويؤكد "نيومان" "Neuman"عام 1991، على أن التغطية المركزة من قبل وسائل الإعلام لقضايا الإرهاب عبر فترة زمنية ممتدة، يضع بدوره هذه القضايا في ذروة اهتمام الرأي العام(4). لقد كان ولا يزال التلفزيون أكثر وسائل الإعلام جماهرية من حيث عدد المشاهدين، الذين يعدون بمئات الملايين، وذلك لما لهذه الوسيلة من قدرة على التأثير في المواقف والاتجاهات. وهناك من ذهب إلى القول أن للتلفزيون السلطة الأكثر لتقوية الآراء وتغييرها(5). وفي خضم التطورات التكنولوجية الهائلة، وانتشار الأقمار الصناعية واستخدام التكنولوجيا الرقمية، برزت إلى الوجود فكرة القنوات التلفزيونية المتخصصة، لتغير الكثير من المفاهيم الإعلامية السائدة. ونجحت الفضائيات الإخبارية العربية المتخصصة في زيادة مساحة التعددية وحرية الرأي والطرح الجريء لأحداث الصراعات والأزمات بما فيها الأحداث الإرهابية. ووفقا لمعظم نتائج البحوث الإعلامية التي أجريت في السنوات القليلة الماضية، تفوقت كل من قناتي "الجزيرة" و"العربية" الإخباريتين على القنوات الإخبارية الأخرى في هذا السياق، وذلك لما تميزت به القناتين من حيث مقومات الأداء الإعلامي، كالفورية في نقل الأحداث، والجرأة في التناول والدقة في طرح المعلومات والحقائق(6). ومن هذا المنطلق تسعى هذه الدراسة إلى رصد الأطر الخبرية التي تم استخدامها من طرف القناتين محل الدراسة قصد الوقوف على الكيفية التي عالجت بهما القناتين ظاهرة الإرهاب، وذلك من خلال تحليل مضمون المحتوى الضمني في عينة من البرامج الحوارية، في ضوء أبرز القضايا والأحداث الإرهابية التي شهدها العالم بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

 

 

تحديد مشكلة الدراسة:

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، أجمعت كل دول العالم على أن الإرهاب أصبح ظاهرة عالمية، تهدد كيانها واستقرارها، وهو شكل من أشكال التعبير السلبي واللإنساني، قد يكون تعبيراً عن التطرف أو تعبيراً عن أشياء أخرى كتردي وتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لمجتمع ما، فهو غير مرتبط بأسباب محددة ومعينة، مما يجعل كافة الدول والمجتمعات معرضة لخطر هذه الظاهرة. ويعترف الجميع بصعوبة إعطاء مفهوم محدد للإرهاب نظراً لعدم وجود اتفاق موحد بين المختصين حول هذا المفهوم، وتبقى معظم التعاريف والمحاولات التي قدمها الباحثون والمختصون حول معنى الإرهاب أجمع أصحابها أن موضوع الإرهاب هو قضية سياسية في المقام الأول له تأثيرات على جميع جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والثقافية والأمنية لأبناء المجتمع. والإرهاب كمادة إعلامية ذات قيمة إخبارية تتناولها وسائل الإعلام، يطرح إشكال كبير في الكيفية والطريقة التي ينبغي أن يعالج بها، خاصة على صعيد الإعلام الفضائي. فالقنوات الفضائية تلعب دوراً هاماً في ترسيخ الصورة النمطية عن الإرهاب والموقف منه، ويتزايد الدور مع تزايد شعبية وانتشار الوسيلة الإعلامية(7). وعلى غرار دول العالم فقد دخلت الدول العربية عصر الأقمار الصناعية والبث المباشر نتيجة للتقدم المستمر في تكنولوجيا الاتصال، وهذا أدى إلى ظهور الفضائيات الإخبارية العربية المتخصصة، ومن بين هذه الفضائيات التي أثبتت قدرتها على خلق نهج جديد في كيفية التعامل مع مختلف الأحداث منها الأحداث الإرهابية، هما قناتي "الجزيرة" و"العربية"، فهاتين القناتين تمثلا نظامين سياسيين مختلفين، ومن ثم تختلف طبيعة المتغيرات الفكرية والإيديولوجية والإقتصادية والإعلامية التي تؤثر في الأداء الإخباري لكل قناة، والتي تفرز بدورها رؤى مختلفة نسبيا في إدارة الصراعات والأزمات العربية(8).

         وعلى هذا الأساس ترتكز مشكلة الدراسة في رصد وتحليل أطر التناول الإعلامي لظاهرة الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر – التي مثلت مرحلة جديدة في تاريخ الإرهاب الدولي – من خلال البرامج الحوارية في الفضائيات الإخبارية العربية المتخصصة "الجزيرة" و"العربية"، والكشف عن درجة الاتفاق والتباين بين الأطر الخبرية المستخدمة في الفضائيتين محل الدراسة.

         وفي هذا الإطار تتحدد أبعاد المشكلة فيما يلي:

1.     الكشف عن الأطر الخبرية التي توظفهما الفضائيتين الإخباريتين "الجزيرة" و"العربية" في تناولهما للقضايا الإرهابية البارزة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ودراسة كيفية انعكاس السياسة التحريرية الخاصة بكل فضائية محل الدراسة على أسلوب تناولهما للأحداث الإرهابية. ويتم إبراز ملامح هذه السياسات التحريرية من خلال ربطها بالأطر الخبرية المستخدمة في تناول كل قضية إرهابية خلال فترة زمنية معينة.

2.     مقارنة توجهات كل قناة حيال ظاهرة الإرهاب، باختلاف أنماط ملكية الفضائيتين وسياستهما التحريرية.

3.     الكشف عن مدى فاعلية البرامج الحوارية في طرح ومعالجة الأحداث الإرهابية البارزة التي عرفها العالم بعد أحداث 11 سبتمبر، وكانت البداية مع هذا الحدث الأكثر أهمية، حيث حظي باهتمام إعلامي غير مسبوق، تابعته الفضائيات الإخبارية بدقة وعناية، وبحثت في جذوره وتداعياته.

تساؤلات وفروض الدراسة:

أ‌.       تساؤلات الدراسة:

§        تهدف الدراسة الإجابة على عدة تساؤلات أهمها:

1.     كيف تناولت الفضائيتين الإخباريتين "الجزيرة" القطرية و"العربية" السعودية ظاهرة الإرهاب وتداعياتها بعد أحداث 11 سبتمبر؟ وما هي قضايا الإرهاب الأكثر بروزاً في عينة البرامج الحوارية لكلتا القناتين محل الدراسة؟

2.     ما أُطر الأسباب التي طرحت بشأن قضايا الإرهاب البارزة التي تناولتها عينة البرامج الحوارية محل الدراسة بالقناتين؟

3.     ما أُطر الحلول التي طرحت بشأن قضايا الإرهاب البارزة التي تناولتها عينة البرامج الحوارية محل الدراسة بالقناتين؟

4.     ما هي القوى الفاعلة المحورية وسماتها البارزة التي ظهرت في قضايا الإرهاب التي تناولتها عينة البرامج الحوارية محل الدراسة؟

5.     ما أوجه التشابه والاختلاف بين الأطر المرجعية التي تستخدمها القناتين محل الدراسة لمعالجة قضايا الإرهاب البارزة؟

ب‌.  فروض الدراسة:تسعى الدراسة لاختيار الفروض التالية والتحقق من صحتها:

الفرض الأول:يتزايد الاهتمام بتحليل قضايا الإرهاب في القناتين محل الدراسة، مع تزايد الاهتمام بها من قبل الدولة الممولة والعكس صحيح.

الفرض الثاني:هناك اتساق بين الموقف الرسمي للدولة الباثة من الإرهاب، والأطر الخبرية الرئيسية المستخدمة في معالجتها.

الفرض الثالث:تختلف الأطر الخبرية المستخدمة في معالجة القضايا والأحداث الإرهابية الخاضعة للتحليل في عينة البرامج الحوارية بالقناتين، حسب مواقف وآراء الشخصيات المستضافة في البرنامج.

أهداف الدراسة:

تزايد الاهتمام بقضية الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي كانت بمثابة واقعة غير مسبوقة سواء في دقة التصميم أو التنفيذ. ومن تداعيات أحداث 11 سبتمبر هو إدخال العرب والمسلمين في حلبة الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية في إطار حملتها ضد الإرهاب، والتطور الجديد لمفهوم الإرهاب. لذا تهدف هذه الدراسة إلى الاقتراب من موضوع الإرهاب بطريقة علمية، ومنهج يسعى لتشخيص دقيق ومتعمق، لطبيعة ظاهرة الإرهاب وآلياتها، كما تعكسها القناتين محل الدراسة. وتستمد هذه الدراسة أهميتها من محاولة تحقيق الهدف الرئيسي والمتمثل: في رصد وتحليل أطر المعالجة الإعلامية لظاهرة الإرهاب في كل من قناة "الجزيرة" وقناة "العربية"، وذلك من خلال تحليل عينة البرامج الحوارية في القناتين التي تناولت القضايا الإرهابية البارزة بعد أحداث 11 سبتمبر، وكانت البداية مع هذا الحدث الأكثر أهمية، ثم المقارنة بين الأطر الخبرية المستخدمة في القناتين محل الدراسة.

         ويتفرع عن الهدف الرئيسي مجموعة من الأهداف الفرعية هي كالآتي:

·       تعد نظرية الأطر الخبرية من النظريات الحديثة نسبيا في مجال البحث العلمي، ومن ثم فإن تطبيقها على الإعلام الفضائي يعد استكمالاً للجهود العلمية الخاصة بالدراسات الإعلامية. لذا تهدف هذه الدراسة تطبيق نظرية "تحليل الأُطر الخبرية" على بيئات اتصالية متفاوتة في نقاط التشابه والاختلاف متمثلة في الفضائيتين الإخباريتين العربيتين محل الدراسة، بهدف التوصل إلى فهم دقيق للعلاقة بين السياسة التحريرية ونمط الملكية لكل قناة، والأطر الخبرية الموظفة لخدمة هذه السياسة والجهة المالكة.

·       التعرف على حجم الاهتمام الممنوح لظاهرة الإرهاب على الخارطة الإخبارية للفضائيتين الإخباريتين محل الدراسة، وذلك من خلال دراسة البرامج الحوارية فيها خلال فترة زمنية معينة دراسة كمية، وتحديد نقاط الاختلاف بين القناتين في هذا الاهتمام ومحاولة تفسير أسبابه.

·       توظيف التحليل الكيفي في رصد وتحليل أطر المعالجة الإعلامية للقضايا الإرهابية البارزة الخاضعة للتحليل في القناتين محل الدراسة من خلال منظور متعدد الأبعاد، يقوم على دراسة وتحليل كل من الأطر المرجعية، وأطر الأسباب، وأطر الحلول والقوى الفاعلة.

·       تحديد موقف القناتين من الإرهاب، وذلك من خلال الكشف عن وجهة نظر القناتين حيال ظاهرة الإرهاب وتداعياتها، وتحديد المفاهيم المستخدمة من قبل القناتين حول الإرهاب، ومعرفة مدى إطلاقهما للفظ "إرهاب" على الأحداث الإرهابية محل التحليل. ومن ثم تحديد نوع وجهات النظر التي تم تبنيها في البرامج الحوارية الخاصة بالقضايا الإرهابية البارزة في القناتين، فهل هي وجهات نظر محايدة؟ !، أم هي وجهات نظر السياسة الأمريكية والأوروبية؟!.

مناهج الدراسة وأدواتها:

تندرج هذه الدراسة ضمن الدراسات الوصفية التحليلية، التي تستهدف وصف وتحليل أطر التناول الإعلامي لظاهرة الإرهاب وتداعياتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في القناتين محل الدراسة، والكشف عن درجة الاتفاق والتباين بين الأطر الخبرية المستخدمة في الفضائيتين الإخباريتين "الجزيرة" و"العربية". فهدف الدراسات الوصفية هو توضيح خصائص الظاهرة، وتفسير الأوجه البارزة لها، وهذا يفترض المعرفة الجيدة المسبقة لمشكلة الدراسة(9). ونظراً لطبيعة الموضوع تم الاعتماد على منهج المسح الإعلامي الذي يندرج في إطار البحوث الوصفية، مدعما بأسلوب تحليل المضمون كأداة من أدوات التحليل.

         ويهدف منهج المسح الإعلامي أو مسح وسائل الإعلام التعرف على شخصية الوسيلة الإعلامية، وما يميزها عن غيرها من الوسائل سواء من حيث الشكل أو المضمون أو حدود التأثير(10). كما تم الاعتماد على المنهج المقارن وهو يعني التمييز بين الخصائص والصفات المشتركة أو المختلفة لشيئين أو أكثر. وعمدت الدراسة استخدام تقنية تحليل المضمون كأداة رئيسية لجمع البيانات الكمية والنوعية، بهدف الإجابة على أكبر قدر من التساؤلات المطروحة، وكذا لاختبار الفروض العلمية التي قامت على أساسها الدراسة.

         فتحليل المضمون هو "تقنية البحث للوصف الموضوعي، المنهجي، متعلق بالكمية لمحتوى ظاهر للاتصالات بهدف ترجمتهم"(11). وتم استخدام التحليل الكمي والكيفي في توصيف محتوى المادة الخبرية (برامج حوارية) في الفضائيتين الإخباريتين محل الدراسة.

         فالتحليل الكمي هو التحليل القائم على تفسير البيانات تفسيراً كميا، أما التحليل الكيفي يقوم على نقد الحقائق، وهو عادة ما يستخدم في شرح المعطيات الرقمية المتوصل إليها في التحليل الكمي.

         ويتميز التحليل الكيفي بأنه يُعنى أساساً بخصائص المضمون(12). وهكذا تَمَ الاعتماد في هذه الدراسة على التحليل الكيفي وفق نظرية تحليل الأطر الخبرية، في رصد وتحليل أطر المعالجة الإعلامية للعمليات الإرهابية البارزة وتداعياتها.

تحديد مجتمع الدراسة:

هو ذلك المضمون الإخباري بمختلف أشكاله في القناتين محل الدراسة، فهو المجتمع الأصلي للدراسة التحليلية المقدمة (*). ويتكون مجتمع الدراسة من مضمون حلقات البرامج الحوارية في الفضائيتين الإخباريتين "الجزيرة" و"العربية"، وهي الحلقات التي تطرقت للأحداث الإرهابية البارزة وتداعياتها بعد الحدث الإرهابي الكبير في الولايات المتحدة الأمريكية يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001. وقد وقع الاختيار على أربع برامج حوارية الأكثر شهرة ومتابعة في كل من "الجزيرة" و"العربية"، ليُكَوِّنوا مجتمع البحث في هذه الدراسة.

         تم اختيار في قناة "الجزيرة" البرامج الحوارية التالية:

§     برنامج "الاتجاه المعاكس"، برنامج "بلا حدود"، برنامج "أكثر من رأي"، برنامج "ما وراء الخبر". وتم اختيار في قناة "العربية" البرامج الحوارية التالية:

§     برنامج "صناعة الموت"، برنامج "مشاهد وآراء"، برنامج "تحت الضوء"، برنامج "بانوراما".

عينة الدراسة والإطار الزمني:

العينة هي جزء من المجتمع الكلي المراد تحديد سماته، فهي عبارة عن مجموعة جزئية من مجتمع الدراسة، يتم اختيارها بطريقة معينة لإجراء الدراسة عليها، ومن ثم استخدام تلك النتائج وتعميمها على كامل مجتمع الدراسة الأصلي. وتنقسم عينة الدراسة إلى قسمين:

1.    عينة القنوات:تم اختيار عينة قصدية مكونة من قناتين إخباريتين عربيتين هما:قناة "الجزيرة" القطرية وقناة "العربية" السعودية، وتم اختيارهما لكونهما يُعدان واجهة للإعلام الفضائي العربي، فهما الأكثر نفوذا وتأثيراً على الرأي العام العربي والإسلامي، على الرغم من تباين توجهاتهما السياسية والإعلامية. كما تحتل القناتين أعلى معدلات المشاهدة وقائمة التفضيلات بين الجمهور العربي، وقد أثبتت نتائج العديد من الدراسات السابقة أن أكثر القنوات الإخبارية مشاهدة في الوطن العربي هي على الترتيب: قناة "الجزيرة" ثم قناة "العربية"، فمثلا: توصلت دراسة حنان أحمد سليم (13) أن قناة "الجزيرة" جاءت في الترتيب الأول من حيث تعرض الصفوة المصرية للقنوات الإخبارية، تلتها قناة "العربية"، وكانت أهم دوافع مشاهدة هذه القنوات هي: متابعة تطورات الأزمات العربية الراهنة، ومتابعة الأحداث والقضايا العالمية من بينها قضايا الإرهاب. كما أن استطلاعاً أجرته مؤسسة الزغبي إنترناشيونال وجامعة ميريلاند تم التوصل خلاله أن قناة "الجزيرة" هي الخيار الأول بنسبة 62 %من مشاهدي الفضائيات الإخبارية في الأردن، و66%في مصر، و44%في السعودية(14). وحققت قناة "العربية" هي الأخرى نجاحاً، ففي استطلاع آخر أجرته نفس المؤسسة والجامعة أن 39%من المشاهدين ذكروا أنهم يشاهدون "العربية" يومياً تقريباً(15).

2.    عينة البرامج الحوارية:بعد متابعة مكثفة في أرشيف كل من قناة "الجزيرة" وقناة "العربية" على شبكة الأنترنيت(16)، لكل البرامج الحوارية التي قدمتها القناتين خلال الفترة الزمنية الممتدة من (11 سبتمبر 2002 إلى غاية نهاية ديسمبر 2007)، وقع الاختيار على أربعة برامج حوارية رئيسية في كل قناة، باعتبارها البرامج الأكثر شعبية وتأثير، حيث تُحظى بمعدل مشاهدة مرتفع بين الجمهور العربي، كما وضحت العديد من الدراسات السابقة. وباستخدام أسلوب الحصر الشامل للبرامج الحوارية المحددة، والتي تناولت قضايا الإرهاب بداية من الحدث الإرهابي الأكثر أهمية، والمتمثل في تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر – التي مثلت مرحلة جديدة في تاريخ الإرهاب الدولي من ناحية، وأساليب التصدي لمواجهته من ناحية أخرى – وما ترتب على التفجيرات من تداعيات، تم تحديد حجم العينة الإجمالي والتي بلغ عددها (97) برنامجاً حوارياً، حيث تَمَ اختيار هذه البرامج بطريقة مقصودة ومعتمدة، وقد بلغ عددها (55) حلقة في قناة "الجزيرة" و(42) حلقة في قناة "العربية"، وهي كل الحلقات الموجودة في كلتا القناتين التي تحدثت عن قضايا الإرهاب البارزة وتداعياتها بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر.

الإطار الزمني:تَمَ اختيار المدة الزمنية الممتدة من (11 سبتمبر 2001 إلى غاية نهاية ديسمبر 2007) تحديداً للأسباب التالية:

§       لما شاهده العالم من غليان بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، التي كانت حادثاً بارزاً ونقطة تحول كبيرة في مسيرة الإرهاب، ومع بروز الحدث وتعاظم دلالاته وأحداثه المتلاحقة، فإن الإعلام الفضائي العربي وعلى رأسهم قناة "الجزيرة" وجد نفسه في قلب الحدث العالمي، خاصة أن هناك ثمة اتفاق على أهمية الحدث وتداعياته.

§       اعتماد التصنيف الذي يقسم العالم إلى ثلاثة دوائر جغرافية، فمعظم الأحداث الإرهابية البارزة التي وقعت خلال المدة الزمنية للدراسة (من 11 سبتمبر 2001 إلى غاية نهاية ديسمبر 2007) موزعة بين ثلاثة دوائر هي: الدائرة الأمريكية، الدائرة الأوروبية والدائرة العربية. لذا فإن أهم الأحداث الإرهابية وأكثرها تأثيراً، والتي شهدت اهتمام عالمي انعكس على الفضائيات الإخبارية التي تابعتها بدقة وعناية، وبحثت في جذورها وتداعياتها، هي تلك الأحداث التي وقعت في فترات زمنية متباينة بين عامي (2001 و2007).

 

 

تحديد فئات التحليل:

وهي التي يصنف على أساسها المضمون، وتختلف فئات التحليل باختلاف موضوع الدراسة(17). وتم تصنيف محتويات عينة البرامج الحوارية إلى فئات، حيث تحاول كل فئة من فئات التحليل الإجابة عن تساؤل من تساؤلات الدراسة المتعلقة بمضمون هذه البرامج.

                  تم اختيار في إطار أداة تحليل المحتوى الفئات التالية:

1.    فئة الأحداث أو القضايا المثارة:ويُقصد بالقضايا في هذه الدراسة جميع تداعيات الإرهاب التي تناولتها القناتين من خلال عينة البرامج الحوارية أثناء فترة الدراسة. وتمثلت قضايا الدراسة فيما يلي:

1-   إرهاب الدولة والذي تَمَ حصره في نموذج الإرهاب الأمريكي، وذلك من خلال العدوان الأمريكي على أفغانستان والعراق.

2-   إرهاب تُمارسه جماعات ضد دول والذي تَمَ حصره في نموذج تنظيم القاعدة.

3-   الترويج لمفهوم الحرب على الإرهاب وبروز فكرة مكافحة الإرهاب دولياً.

4-   تشويه صورة العرب والمسلمين وربطها بالإرهاب.

5-   ضرورة تحديد المعنى الصحيح لمفهوم الإرهاب، وتمييزه عن المقاومة المشروعة للاحتلال.

وتندرج تحت هذه الفئة الفئات الفرعية التالية:

* توصيف القضية، *الأفكار الرئيسية الواردة في طرح القضية، *أسباب القضية، *حلول القضية، *الكلمات المحورية الواردة في القضية، *التوازن في عرض القضية.

2.   فئة الاتجاه.

3.    فئة الاستمالات المستخدمة:وتُعنى بأسلوب تقديم القضية، هل هي استمالات عقلانية أم إستمالات عاطفية؟. وتضم فئة فرعية متمثلة في فئة نوعية المعالجة.

بالإضافة إلى فئة الشكل والتي تَمَ تحديدها في فئة عناصر الإبراز المستخدمة لعرض قضايا الإرهاب وذلك من خلال تحديد: "الشكل الفني للبرنامج – دورية البرنامج – تكرار بث البرنامج – عدد القضايا المثارة في البرنامج – نوع البث".

وتَمَ الاستعانة بأدوات التحليل لـ "نظرية تحليل الأُطر الخبرية" والمتمثلة في الفئات التالية:

1.    فئة القوى الفاعلة وسماتها البارزة:ونعني بها الأطراف والشخصيات البارزة التي ظهرت كمؤثر في سياق الأحداث المرتبطة بقضايا الإرهاب، والتي تَمَ حصرها في مجموعة الأشخاص أو الهيئات أو الأحزاب أو المنظمات التي تصنع الحدث في المضمون محل التحليل.

وتضم بدورها فئة فرعية متمثلة في فئة الشخصيات المستضافة.

2.    فئة الأُطر المرجعية:هي الإحالات المرجعية النصية التي اعتمدت عليهما القناتين في معالجة قضايا الإرهاب، سواء كانت تصريحات للمسؤولين أو نصوصاً دينية أو قانونية، أو الإشارة إلى حقب تاريخية وغيرها، مما يزيد من مصداقية المضمون المقدم، وتم تحديدها فيما يلي: الإطار السياسي – الإطار التاريخي – الإطار الدولي – إطار الصراع – الإطار الديني.

إن وحدة التحليل هي المقياس الذي يحصي به الباحث عدد مرات تكرار المضمون أو الظاهرة التي يسعى إلى تحليلها، لذا تم الاعتماد في هذه الدراسة على وحدة الفكرة كوحدة للعد والقياس، وليس للفكرة حدود إلا تلك التي يحملها معناها، فقد تكون عبارة أو جملة، وقد تمتد على طول الفقرة، وقد يكون كل المحتوى عبارة عن فكرة واحدة(18). وبهذا تم اختيار وحدة الفكرة في سياق الجملة.

المقاربة النظرية للدراسة:

تعتمد الدراسة على نظرية لها أهمية في مجال الدراسات الإعلامية، وذات صلة بموضوع الدراسة وهي "نظرية تحليل الأُطُر الخبرية" "News Framing Analysis".وتُعد النظرية واحدة من الروافد النظرية الحديثة في دراسات الاتصال، حيث تسمح بقياس المحتوى الضمني للرسائل الإعلامية التي تعكسها وسائل الإعلام، وتُقدم تفسيراً منتظماً لدور وسائل الإعلام في تشكيل الأفكار والاتجاهات حيال القضايا البارزة، وعلاقة ذلك باستجابات الجمهور المعرفية والوجدانية لتلك القضايا(19). وترجع أهمية "نظرية تحليل الأُطُر الخبرية" كونها تقدم تفسيراً علمياً منتظماً، لكيفية حدوث التأثيرات المعرفية والوجدانية لوسائل الإعلام على الجمهور، بمختلف فئاته وخصائصه الديمغرافية(20).

         تفترض النظرية أن الأحداث لا تنطوي في حد ذاتها على مغزى معين، وإنما تكتسب مغزاها من خلال وضعها في "إطار" (Frame) يحددها وينظمها، ويضفي عليها قدراً من الاتساق، وذلك بالتركيز على بعض جوانب الموضوع وإغفال جوانب أخرى، ومن ثم فالإطار الإعلامي حسب حسن عماد مكاوي وليلى حسين السيد هو "تلك الفكرة المحورية التي تنتظم حولها الأحداث الخاصة بقضية معينة" (21). فالإطار الإعلامي مثلا لقضية ما يعني انتقاء متعمد لبعض جوانب الحدث أو القضية، وجعلها أكثر بروزاً في النص الإعلامي، واستخدام أسلوب محدد في توصيف المشكلة وتحديد أسبابها، وتقييم أبعادها، وطرح حلول مقترحة بشأنها. تَمَ استخدام مصطلح "الإطار" لأول مرة في أدبيات العلوم الاجتماعية ضمن كتابات عالم الاجتماع الأمريكي "Bateson" عام 1955 (22)، وساهم كل من "Berger and Luckmann" عام 1967 إسهاماً رئيسياً في تطور مفهوم التأطير. وتوالت الإسهامات للباحثين في الستينيات لترسيخ هذا المفهوم الجديد في الدراسات الاجتماعية، ويعتبر "Goffman" (1974) أول من استخدم مصطلح "الأطر"، بوصفه أداة يتم توظيفها لتصنيف وتنظيم الخبرات والمعلومات المختلفة. وقد ألف  "Goffman"كتابه تحت عنوان "تحليل الأطر"، وهو بذلك يعتبر مؤسس ومُنشأ "مدخل التأطير"(23). وجاء أول تطبيق عملي لتحليل الأطر في الدراسات الإعلامية بعد جهود الباحثة "Tuchman" في دراستيها عامي (1976 و1978)، حيث وظفت "تحليل الأطر" كأداة منهجية لتحليل المضمون الإخباري في وسائل الإعلام المختلفة. ويعتبر "Robert Entman" أول من حاول تأصيل النظرية في الدراسات الإعلامية، حيث يعود إليه الفضل في أول تطبيق عملي يتسم بالدقة النظرية والمنهجية في دراساته المتعددة خلال أعوام (1989 – 1991 – 1993) حيث ربط الباحث بين تحليل الأطر وتمثيل المعلومات من قبل أفراد الجمهور. فالإطار الخبري في تعريف مبسط هو "السياق ذو المعنى الذي يشكل القصة الخبرية"(24). وقد تبين أن مفهوم الأطر الخبرية له أصول سيكولوجية وسوسيولوجية، حيث يعرف علماء النفس الأطر الخبرية على أنها تغيرات في الحكم على موضوع ما، حدثت عن طريق تغيير أو تبديل في التعريف بالحكم أو اختيار المشكلة أو القضية المثارة، أما المنظور الإجتماعي للأطر، يميل إلى التركيز على استخدام بعض الخطوط والرموز والمطبوعات الرئيسية في القصة، التي تقدم في وسائل الإعلام(25). وقد سعى العديد من الباحثين لتحديد مفهوم "الإطار" أو "التأطير"، ولعل من أشهر تلك المحاولات هو تحديد "Robert Entman" (1993)لمفهوم "الإطار" بأنه "اختيار بعض الجوانب من الواقع دون غيرها، وجعلها أكثر بروزاً في النص الإعلامي، واتباع أسلوب أو مسار معين يتم من خلاله تحديد المشكلة أو القضية، وتفسير أسباب حدوثها، وكذلك التقييم الأخلاقي لأبعادها وجوانبها المختلفة، فضلا عن طرح حلول وتوصيات بشأنها"(26). و"الإطار" كما يعرفه "Eving Goffman" يشير إلى مجموعة معينة من التوقعات التي يتم استخدامها، من أجل تفسير موقف اجتماعي بصورة جيدة، في نقطة محددة من الزمان(27). ويؤكد "Robert Entman"على أن تأثير الأطر لا يتحقق فقط من خلال إبراز بعض الجوانب في الأحداث أو الوقائع، ولكن أيضا من خلال الحذف أو الإغفال لجوانب أخرى، أو تقديم توصيات خاصة من جانب القائم بالاتصال(28).

         وبعد هذا العرض عن رؤية الباحثين لمفهوم الأطر، فإنه تَمَ التوصل إلى حقيقة مفادها أن هذه التعريفات اشتركت في عدة أبعاد لمفهوم الإطار وهي كالتالي:

1.     الإطار هو وسيلة لفهم العالم المحيط.

2.     يقوم الإطار بعرض وتنسيق وتنظيم المعلومات، لتكوين قصة خبرية متصلة ومتماسكة.

3.     يمكن استخلاص الإطار من خلال الكلمات الدالة، والاستعارات والمصطلحات، والرموز والصور المصاحبة للسرد الخبري.

4.     الإطار هو الفكرة المحورية أو الرئيسية للنص الخبري.

5.     الإطار يقدم توصيفا عاما للمشكلة.

6.     الإطار يقدم أسباب المشكلة.

7.     الإطار يقوم بتقديم حلول مقترحة للمشكلة.

أما المفهوم الأكثر قربا من الدراسة، والذي بني عليه تحليل مضمون عينة البرامج الحوارية موضع الدراسة هو تعريف "Entman"عام 1993، والذي نجده يؤصل نظريا وتطبيقيا لمفهوم الإطار الذي أشار "بأنه الفكرة المحورية التي جوهريا تتضمن انتقاء جوانب معينة من الحقيقة المدركة دون غيرها، وجعلها أكثر بروزاً في النص الإعلامي، حيث يتم من خلاله تحديد المشكلة أو القضية وتفسير أسباب حدوثها، والتقييم الأخلاقي أو المعنوي لأبعادها المختلفة، ثم طرح حلول وتوصيات ومعالجة بشأنها". ويمكن ملاحظة أن تعريف "Entman"للإطار يؤكد على طبيعة التأطير باعتباره عملية تفسير دقيقة وتفصيلية، لا تقوم على قيم فردية، لكن على إنفاذ مفاهيم ومعارف كلية وتقليدية، مبتدعة اجتماعيا. وكان هذا المفهوم لـ "Entman" بمثابة الإضافة الحقيقية للتعريفات السابقة، لأنه يركز على الجانب الإعلامي للتأطير أكثر من الجوانب السيكولوجية، والسوسيولوجية والسياسية، كما يركز على آليات وأدوات التأطير،وأهمها الانتقاء والبروز والاستبعاد.

وهكذا تُعد نظرية الأطر الخبرية من النظريات الإعلامية الغربية الجديدة نسبياً، حيث تُستخدم في الدراسات الإعلامية التي تعتمد على تحليل المضمون، وكذا الدراسات التي تتناول القضايا الدولية كقضايا الإرهاب، ولهذا السبب تَمَ توظيف مدخل الأطر الخبرية للتعرف على المحتوى الإعلامي من حيث الشكل والمضمون للبرامج الحوارية، والكيفية التي يتم من خلالها تناول ظاهرة الإرهاب، وتحديد الأطر الخبرية التي تستخدمها الفضائيتين الإخباريتين محل الدراسة ("الجزيرة" و"العربية")، والكشف عن أوجه الاتفاق والاختلاف بين القناتين من حيث الأطر المستخدمة في معالجة الأحداث الإرهابية البارزة، والمتمثلة في أطر الأسباب والحلول المقترحة لمعالجة الظاهرة الإرهابية، وقمنا أيضا من خلال هذه النظرية برصد وتحليل المحتوى غير الصريح للرسالة الإعلامية، وتحديد الفكرة المحورية لنص كل برنامج.

     وبما أن الواقع يثبت أن كل وسيلة إعلامية تقدم الأطر الخبرية للقضية التي تطرحها تبعا لهدف كل وسيلة، ومن ثم تظهر أطر للقضية المطروحة وأطر مضادة لها، لذا إرتأينا اختيار نموذج "Robert Entman"الخاص بتحليل الأطر والذي يتكون من:

1.     تحديد المشكلة والأسباب الكامنة ورائها.

2.     تشخيص الأسباب وتحديد القوى الفاعلة.

3.     وضع أحكام أخلاقية للمشكلة.

4.     إقتراح حلولاً للظاهرة ومحاولة علاجها. وعليه تَمَ استخدام هذا النموذج في تحليل البرامج الحوارية المشكلة لعينة الدراسة التحليلية بالقناتين الإخباريتين ("الجزيرة" و"العربية") محل الدراسة.

نتائج الدراسة:

توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج تتمثل فيما يلي:

         1). تم التوصل من خلال طرح الإشكالية المتعلقة بتعريف الإرهاب، أنه نتيجة تعدد الأسباب والغايات المرجوة من وراء العمل الإرهابي، تعذر تقديم تعريف موضوعي ومقبول للإرهاب على الصعيد العالمي، فهناك غياب إجماع دولي حول تعريف محدد وموحد للإرهاب.  كما تبين أن الإرهاب تعريفه يُعد إحدى المشكلات الرئيسية التي واجهت ولا تزال تواجه المجتمع الدولي، وهذا نتيجة للتداخل الكبير الموجود بين الإرهاب وصور العنف المختلفة كالعنف السياسي، أو الجريمة السياسية أو الجريمة المنظمة، بالإضافة فإن الإرهاب هو مفهوم ديناميكي متطور متغير، تختلف أشكاله ودوافعه، باختلاف الأماكن والفترات الزمنية، لذا تعددت وتباينت مفاهيم الإرهاب، تبعاً لتفاوت منطلقات الباحثين في الموضوع. وهنا تستحضرنا مقولة للقاضي ستيوارت "مفادها "قد لا يكون المرء قادراً على تعريف الإرهاب، ولكن المرء يَعرِفُه حينما يراه"، لأن الإرهاب في أبسط معانيه هو قتل وترويع للأبرياء بطريقة عشوائية من أجل إثارة الخوف والرعب في أوساط المجتمع، مُخلفا الخراب والدمار بُغية تحقيق أهداف سياسية أو عقائدية بحتة وتسليط الأضواء الإعلامية على مرتكبيه.

         2). مثلت هجمات 11 سبتمبر نقلة نوعية هامة في تطور مفهوم الإرهاب الذي أصبح يُعرف بـ "الإرهاب الجديد"، تُحركه الإيديولوجيات ذات الأساس العرقي المتطرف أو ذات الأساس الديني المشدد. واتخذت الولايات المتحدة الأمريكية في ضوء أحداث سبتمبر مجموعة من المواقف وهي كالتالي:

§       بروز الإرهاب كعدو عالمي جديد، حيث طُلب من كل دول العالم محاربة هذا العدو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في إطار ما اصطلح على تسميته بـ "محاربة الإرهاب الدولي" أو "الحرب ضد الإرهاب"، وكانت بداية هذه الحرب الأمريكية ضد ما أسمته بالإرهابهي ضرب أفقر دولة في العالم أفغانستان بعدها العراق، والتي كشفت فعلاً عن حقيقة إرهاب الدولة الذي تمارسه الدول الكبرى.

§       التجسيد الغربي لهذا العدو في جميع المراحل تحت عنوان "الإرهاب الإسلامي"، حيث بدأت المواجهة ضد تنظيم "القاعدة" وزعيمه أسامة بن لادن المتهم بتنفيذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

§       عودة اللهجة الأمريكية القوية التي كانت ترددها في بداية الحرب الباردة، وهي "من ليس معنا فهو ضدنا".

3). وبخصوص العلاقة الموجودة بين الإعلام والإرهاب هي علاقة غالبا ما توصف بأنها علاقة تكاملية "Symbiotic relationship"، قائمة على أساس المصلحة المتبادلة، فالإعلام قد يخدم أهداف الإرهابيين بنشر أقوالهم وأفعالهم وتضخيم قوتهم دون قصد، ليعطي بذلك للإرهاب صدى إعلامي واسع، وفي المقابل تَضْمَن أخبار الإرهاب لوسائل الإعلام التي تتحدث عنها بإفراط، فيه نوع من المزايدة والتضخيم، تحقيق مصالح مهنية واقتصادية مؤكدة.

توصلت الدراسة التحليلية الكمية إلى النتائج التالية:

v   توصلت الدراسة أن كلتا القناتين اعتمدتا على نوع البرامج الحوارية الحية المباشرة عند تناولها لقضايا الإرهاب، وذلك بهدف تحقيق مبدأ التفاعلية بين البرنامج والجمهور.

v   برزت في القناتين محل الدراسة عدد من قضايا الإرهاب البارزة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهي على الترتيب حسب معيار الاهتمام بها في عينة الدراسة: إرهاب تمارسه جماعات ضد دول بنسبة 36.56%- الترويج لمفهوم الحرب على الإرهاب بنسبة 22.38%- ظاهرة تنظيم القاعدة بنسبة 14.17%- تشويه صورة العرب والمسلمين وربطها بالإرهاب بنسبة 10.44%- تحديد المعنى الصحيح للإرهاب وتمييزه عن المقاومة بنسبة 10.44%- إرهاب الدولة بنسبة 5.97%.

v   تمَ التوصل أن السياسة التحريرية لقناة "الجزيرة" في وصفها لقضية "إرهاب الجماعة" تبنت إطاراً خبريا محايداً ضد تنظيم "القاعدة" وإطاراً سلبياً ضد الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية الذين ربطوا هذا النوع من الإرهاب بالمسلمين، بينما تبنت قناة "العربية" إطاراً خبريا سلبياً ضد تنظيم "القاعدة"، وإطاراً خبرياً إنسانياً متعاطفاً مع الشباب الذين غُرِرَ بهم، في حين لم تُظهر سياستها التحريرية العداء لأمريكا عند ربطها الإسلام بالإرهاب.

v   أظهرت الدراسة التحليلية الكمية لقضية "الحرب ضد الإرهاب"، أن قناة "الجزيرة" تبنت إطاراً خبرياً تحليلياً سلبياً ضد الولايات المتحدة الأمريكية التي أعلنت "الحرب ضد الإرهاب"، وتم التركيز على إبراز الانتقادات التي وجهت لهذه الحرب، كما اتخذت السياسة التحريرية للقناة إطاراً مشككا في النوايا الحقيقية لأمريكا عند خوضها للحرب ضد الإرهاب، والتي تهدف أساسا السيطرة على منابع النفط والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في العالم، بينما اعتمدت قناة "العربية" في وصفها للقضية على إطار خبري محايد تجاه الولايات المتحدة الأمريكية التي خاضت الحرب ضد الإرهاب، بينما مؤيدة لفكرة ضرورة التعاون العربي مع أمريكا وأوروبا لمكافحة الإرهاب.

v   لقد تم التوصل أن هناك تباينا شديداً بين قناتي الدراسة في توصيف قضية "ظاهرة تنظيم القاعدة"، حيث اعتم

temmaryoucef1@hotmail.fr
temmaryoucef.ab.ma © 2017.Free Web Site