مفاهيم مختلفة لوظائف منهجية مختلفة


 

مداخلة في إطار اليوم الدراسي " الأسس المنهجية للدراسات الإعلامية الاتصالية ".
تحت عنوان: مفاهيم مختلفة لوظائف منهجية مختلفة.
الأستاذ الدكتور تمار يوسف.
 
تستقي إشكالية هذه المداخلة، من الاختلافات المفهوماتية لعدد من المصطلحات المُستعملة في منهجية البحوث الإعلامية الاتصالية عندنا، ففي الكثير من الأحيان وجدنا أنفسنا أمام خلط واضح في تنظيم البحوث العلمية، و لعل ذلك يعود إلى المصادر المُستعملة من طرف كل باحث، علاوة على الترجمة " السيئة" من لغات أخرى التي زادت في غموض الطريقة المُثلي التي ينبغي على الباحث – خاصة المبتدأ – تنظيم بحثه.
يؤمن صحاب هذه المداخلة، أن تنظيم البحوث شرط أساسي في البرهنة على مصداقية النتائج التي يتوصل إليها الباحث، فهي ضرورية و ليست تعجيزية، لذلك ينبغي أخذها بجدية الصرامة العلمية التي تصف البحوث العلمية، سواء في تلقينها إلى طلابنا، أو الوقوف عندها في مناقشات البحوث العلمية المختلفة.
لاحظنا أن الخلط المُشار إليه سابقاً، موجود في تحديد المقصود ببعض المفاهيم المتداولة في علم المنهجية، و الذي يعود إليه باحثينا و طلابنا بنوع من التداخل، بل و التناقص قي بعض الأحيان، و نحن نقصد بالذات:
1 - أنواع الدراسات: ما نوع دراستك؟ سؤال سهل في مظهره، لكن لم يستقم على حال فيما تعرضه المعارف المنهجية، نوع الدراسة هو أصلها، أي انتماءها، و على هذا الأساس وجدنا - بعد قراءات عديدة و متعددة - أن الدراسات الإعلامية الاتصالية في معظمها تدور حول أربعة أنواع من الدراسة:
 
أ - الدراسات التحليلية:  يقع هذا النوع من الدراسات على إحدى ثلاث مستويات من العملية الاتصالية المرسل، الرسالة، الوسيلة حيث يواجه الباحث مجموعة كبيرة من مكونات و متغيرات الظاهرة عليه أن يصفها، و المقصود هنا التعرف على العناصر المكونة لها والعلاقات السائدة داخلها، أي اختبار علاقات التأثير والتأثر بين تلك المتغيرات و المكونات، و لا يكتفي الباحث في هذا النوع من الدراسات باستكشاف الظاهرة أو تصويرها، بل يذهب أيضاً إلى دراسة العوامل التي أوجدها على الشكل الذي هي عليه. أما إذا حاولنا تبسيط الفهم لهذا النوع من الدراسات، نقول أنها ذلك النوع الذي يهتم بتحليل الرسائل و المضامين و الخطب .. و كل أنواع المحتويات الاتصالية.
 
ب – الدراسات الاستطلاعية:  إلى جانب الدراسات التحليلية، تُعد الدراسات الاستطلاعية من أكثر أنواع الدراسات الإعلامية الاتصالية جلباً لباحثينا و طلابنا، و في عمومها هي ذلك النوع من الدراسات التي يعتمد فيه الباحث على أدوات تساعده على المسح الدقيق للمعطيات الظاهرة  والتعبير عن النتائج بطرق خاصة، يستعين فيها على طرق القياس الكمي التي تتطلب تسجيل المعطيات وعدها في المرحلة الأولى ثم اعتماد الطرق الإحصائية في تبويبها وتحليلها لاستخراج المؤشرات التي تحتويها كمرحلة لاحقة.
و من الأمثلة على هذا النوع، دراسات الجمهور، و مختلف المسوحات للرأي العام  ...
 
ج – الدراسات التاريخية: هي الدراسات التي تعني بالظاهرة الإعلامية الاتصالية في شكلها السابق، أو على الأقل في ما أوصلها إلى ما هي عليه الآن، فالدراسات التاريخية هي تلك الدراسات التي تبحث عن جذور الظاهرة في الماضي، و قد تبحث عن أسباب الظاهرة فيه، أو بكل بساطة، النظر في تطور الظاهرة عبر فترة أو فترات زمنية معينة، و على العكس ما يمكن اعتقاده فإن هذا النوع من الدراسات من الأهمية التي تجعل بعض الظواهر صعبة التفسير بدون العودة بها إلى الماضي، و لذلك فهي مهمة جداً في الإجابة عن بعض التساؤلات الحالية.
و من الأمثلة عن الدراسات التاريخية:
-  تاريخ الصحافة الشبانية و صحف الأطفال في الجزائر.
-  في تاريخ تقنيات الإعلام والاتصال.
-  تطور تقنيات الإخراج الصحفي عبر الزمن حالة الجزائر.
 
د – الدراسات السيميولوجية: لا نقصد في هذا الإطار "التحليل السيميولوجي" الذي سنتطرق إليه لاحقاً، بل نوع من أنواع الدراسات التي لا زالت تشق طريقها ضمن الدراسات الإعلامية الاتصالية، و هو يهتم بإشكاليات دقيقة و في مستويات مختلفة من عناصر العملية الاتصالية. السيميولوجية هي علم الدلالات اللغوية و غير اللغوية، بمعنى آخر تفكيك الرموز النصية و البصرية لمحتوى معين، و على هذا الأساس فهي تقوم على التفكيك و التركيب للدوال اللغوية النصية أو البصرية لكشف المعنى أو المعاني واستخراج دلالتها ومن ثمة، فالهدف من دراسة المحتوى سيميولوجياً وتطبيقياً، هو البحث عن المعنى والدلالة و استخلاص البنية المولدة للمحتوى منطقيا ودلاليا.
 
2 - المقاربات : لم يكن ظهور المقاربات كأنماط تفكير و تحليل، محض الصدفة أو نتاج عوامل اعتباطية بين أنماط التفكير الفلسفي و الديني التي كانت سائدة لفترة طويلة من تاريخ الفكر البشري، بل نابع من مدارس واتجاهات فكرية تطورت وفق التطور البشري في تفاعلاته الاجتماعية على وجه الخصوص، أي بعد صيرورة طويلة من البحوث و النظريات خاصة في العلوم التي تناولت الإنسان في محيطه الاجتماعي، منها المدرسة الوظيفية و المدرسة الإمبريقية و المدرسة النقدية و المدرسة البنيوية .. و التي كانت من بين أطروحاتها إيجاد أدوات أكثر مصداقية من التأويلات الفلسفية الاستنتاجية التي كانت تفسر على إثرها الظواهر المختلفة.
ما هي الطريقة التي تريد التقرب بها من موضوعك؟ بحثنا في مضمون هذا السؤال لسنوات عديدة، حتى وجدنا بعض ملامح الإجابة عنه في الكتب التي تمزج بين المدارس الفكرية في علم الاجتماع، و نظريات
الاتصال، إذ أن معظم هذه المدارس تجمع بين الأطر النظرية و المنهجية في تفسيرها للظواهر الاجتماعية و الاتصالية على حد سواء،  و وجدنا أن أكثر المقاربات ملائمة مع أغلبية الإشكالية التي نتناولها عندنا تدور حول:
 
أ – المقاربة التاريخية : و هي الصبغة التي قد تأخذها البحوث و الإشكاليات التي تحتاج من الباحث العودة بالظاهرة  إلى الماضي و البحث فيما يمكن أن يساهم في فهم و تحليل إشكاليات الحاضر، تتعامل هذه المقاربة مع أحداث وقعت في الماضي و بالتالي يتوصل الباحث إلى النتائج بناءاً على الأدلّة التاريخية التي يمكن الحصول عليها في الحاضر، و على هذا الأساس فإن تصميم نموذج لقراءة و بحث مختلف الأحداث التي وقعت في الماضي و التي لها علاقة بالمضمون وعاء الفكر و المعرفة و من ثمّ مطابقتها مع الإشكالية العامة لعلم الإعلام و الاتصال، سيساهم في فهم أنظمة التسيير الماضية و الحالية عندما نريد أن نجري عليها بحثا نقدياً أو مقارنا.
 
ب – المقاربة المقارنة : هذه المقاربة، تعني تلك الحركة الفكرية التي يتحلى بها الباحث عند تحليله لمختلف الأفكار و الربط بينها لتشكل الحقائق التي تفسر الإشكالية و أهداف الدراسة، فمقارنة توجه صحيفتين نحو التعامل مع حدث معين، يقتضي التحلي بالتفكير المقارن في كل محطات هذا النوع من البحوث، و إذا قلنا ما هي الأسباب التي تجعل قناة تلفزيونية ما أكثر مشاهدة من قناة تلفزيونية أخرى، هنا أيضاً ننتظر أن تكون المقاربة مقارنة على أسس سنأتي عليها عند تطرقنا للمنهج المقارن.
 
ج – المقاربة البنيوية : تهدف المقاربة البنيوية إلى تصور الكيفية التي تُبنى بها المعرفة العلمية للظواهر محل الدراسة و البحث، خاصة فيما يمكن أن يشكل مظاهر الثبات و الاستقرار و القوانين التي تتحكم فيها، باعتبار أن الظواهر تخفي نظام أو أنظمة تتحكم فيها، لذلك يقول أحد الباحثين " فالباحث البنيوي يسعى إلى اكتشاف النظام الكامن خلف الفوضى البادية،و اكتشاف القانون الحاكم لهذه الظواهر، أو الأحداث، أو الأشياء التي تعمل طبقاً رغم اختلافها، إنه يترصد تلك العلاقات الباطنة، أي التي تنبع من داخل الظواهر نفسها – و التي تحركها، وتضمن لها البقاء والاستمرار والتجديد" .
 
د – المقاربة الإمبريقية: تعد المقاربة الإمبريقية، من أقدم مقاربات البحث في التاريخ القديم، غير أن الاستخدام المعاصر الأول لها، كان في دراسة التأثير المباشر لوسائل الإعلام و الاتصال على جمهور المتلقين، من خلال المقاربة التجريبية الإمبريقية الأمريكية لدراسة تأثير السينما في المجتمع، تحت عنوان "البحث في تأثير وسائل الإعلام"  فكانت الخطوة الأولى تصنيف و تقسيم المشمولين بالبحث، في محاولة قياس الآثار المباشرة للاتصال على الجمهور.
بمعنى بسيط، المقاربة الإمبريقية، هي تلك الدراسات التي تعتمد على الأبعاد التكميمية و الإحصائية و الرياضية في محاولة فهم الظواهر و كيفية حدوثها.
 
ه - المقاربة الوظيفية: هي تلك المقاربة التي تحاول تفسير الظواهر بناء على وظائفها، ليس المقصود هنا
المظهر الوظيفي المرتبط بالهدف أو الفائدة من الظواهر على شاكلة التحليل الذي يقوم به المختصون في
الإشهار، بل معرفة الوظيفة التي تؤديها ظاهرة من الظواهر، أو عنصر من العناصر و كذلك أسباب نشأتها.
بالغة أخرى، يقوم التحليل الوظيفي على الربط بين جزء من النظام الاجتماعي و جزء آخر، أو بين جزء و بقية الأجزاء حيث  تتمثل وظيفة كل جزء ، في المساهمة التي يقدمها للحياة العامة للهيئة و في الدور الذي تلعبه، و بالتالي فإن حياة الهيئة في بداية المطاف تكون مرتبطة بوظيفة بنيتها، فمن خلال ديمومة وظيفتها تتحقّق استمرارية بنيتها.
 
و – المقاربة النقدية: تهتم المقاربة النقدية بعلاقة الإنتاج بالمشكلات الاجتماعية، و قد تبنت دراسات الثقافة النقدية منظوراً شاملاً في دراسة الكبرى، حيث تهتم بالنظام الاجتماعي ككل و تركز على استخدام الصفوة للإعلام.
إذن المقاربة النقدية، تعتني بالبحث في السياقات المختلفة التي يقوم في إطارها الفعل الاتصالي (التعرض لمضامين وسائل الإعلام على سبيل المثال) ، فإذا كنا بصدد دراسة كيفية تعرض الأطفال لمضامين التلفزيون، و أردنا البحث فيها من منظور النقدي، فهذا يعني البحث في مختلف الأوساط (الاجتماعي، العائلي، المدرسي،) الذي يتعرض فيه الطفل إلى تلك المضامين، و قد يكون ذلك عن طريق أدوات بحثية على  شاكلة المقابلة، أو الاستمارة الاستبيانية أي عن طريق المسائلة بصفة عامة.
 
3 – المناهج:  المناهج مستوى آخر من التنظيم المنهجي، و التناول الفكري للظواهر، بمعنى مبسط،
المنهج ها هنا هو الإطار الفكري الذي لا بد على الباحث أن يرتديه قبل بداية البحث، و هذا الإطار تحكمه
ضوابط سوف نعود إليها كلما تطرقنا إلى نوع من أنواع المناهج، المهم أن المنهج هو الطريق، و الطريق عادة ما تكون محدودة الإطار حتى يتسنى لمستعمليها إتباع الاتجاه الذي  يحدد لها، فالغاية التي وجدت من أجلها الطريق، هي مثل الغاية التي وجدت من أجلها المناهج في البحث العلمي، و هي الوصل إلى هدف معين يكون في الغالب معلوم و مقنن.
أكثر المناهج استعمالا في بحوث الإعلام و الاتصال، هي:
 
أ – المنهج التاريخي: المنهج التاريخي في أوسع معانيه، يعني استرداد الماضي تبعاً لما تركه من أثار، أين كان نوع هذه الآثار، لذلك سمي عند البعض بالمنهج الاستردادي لأنه عملية استرداد أو استرجاع للماضي، من جهة أخرى، يرى البعض أن المنهج التاريخي هو مجموعة الطرق و التقنيات التي يتبعها الباحث للوصول إلى الحقيقة، و إعادة بناء الماضي بكل وقائعه و زواياه، و هذه الطرق قابلة دوماً للتطور و التكامل مع تطور جموع المعرفة الإنسانية و تكاملها و أدوات اكتسابها.
إن الهدف من المنهج التاريخي، هو صنع معرفة علمية من الماضي الإنساني، و هذا الصنع يستند إلى طرائق عقلانية توصل إلى الحقيقة أو على الأقل تفسير البعض منها بقدر ما تسمح به الظروف التي تخضع لها، وهي ظروف تقنية تتعلق و ترتبط بطبيعة الوثائق المستخدمة و وجودها أو توفر شهادات حية عن من كان جزء من الظاهرة.
 
ب – المنهج المقارن :  للمنهج المقارن على الأقل ثلاثة أصناف من التعاريف، الأولى لها طابع عام، أي أن المنهج المقارن يعني الفعل الذي يتفحص علاقات التشابه و الاختلاف بين الظواهر أو مكوناتها، الثانية و ترى أن المنهج المقارن هو الحركة التي تقارب لتجمع قصد التكامل، التعريف الثالث يرى أن المقارنة هي الحركة التي تقرب بين أشخاص أو أشياء ذات طبائع و أصناف مختلفة لا يمكن الجمع بينها، ورغم هذا الاختلاف فإن الإجماع فيها يكون، أن المنهج المقارنة يجمع – للدراسة – ظاهرتين أو أكثر قصد تحليل ما يقربها أو يفصلها.
 
ج – المنهج المسحي:  هو أكثر المناهج استعمالاً في البحوث الإعلامية الاتصالية عندنا، المنهج المسحي هو محاولة تحليل وتفسير وعرض واقع الحال للأفراد في مؤسسة أو منطقة معينه لمعرفة الاتجاهات أو لتوجيه العمل حاضراً ومستقبلاً، و قد يكون المسح على وثائق أو أشرطة أو أي محتوى في حامل قد يُستخدم لإجراء الدراسات الاستكشافية والوصفية والتفسيرية دون استثناء، بمعنى أن المسح بطابعه هذا، يُعد ضرورياً في تقريباً كل الظواهر محل الدراسة و البحث، كما أنه يتداخل مع الكثير من المناهج الأخرى التي تحتاج إلى نظرة دقيقة لتفاصيل الظاهرة و مكوناتها، فجمع مكونات الظاهرة تحتاج إلى المسح، و ترتيب المتغيرات يحتاج إلى مسح، و رسم حدود الظاهرة يحتاج هو الآخر إلى مسح و هكذا ..
 
د – منهج دراسة الحالة:  من خلال تسميته، يتضح أن منهج دراسة الحالة، يحاول الإنفراد بدراسة وحدة إعلامية أو اتصالية (جريدة على سبيل المثال، أو قناة تلفزيونية أو خلية من خليا الاتصال في المؤسسات .. ) ، و هذا النوع من المناهج يفترض أن يكون التحليل معمقة و مستفيض يتناول فيها الباحث كافة المتغيرات المرتبطة بالوصف الكامل والتحليل.
دراسة الحالة، هو منهج  يُستعمل لدراسة شيء مميز في ظاهرة معقدة، و قد نجد العديد من التعاريف
لهذا المنهج في الأدبيات المنهجية، منها على سبيل الحصر، هو مجموعة من المعطيات الإمبريقية، التي تُجمع حول حالة أو حدثاً أو وضعية تشكل في مجملها وحدة التحليل، أما هامل Hamel فهو يرى أن منهج دراسة الحالة، يتمثل في إعادة الحدث إلى سياقه و النظر في الكيفية التي يظهر بها و يتطور، بعبارة أخرى البحث في الكيفية التي يتدخل فيها السياق لتحريك الحدث محل الدراسة.
 
ه منهج تحليل العاملي: علم الإعلام و الاتصال، قد يحتاج إلى أكثر من تلك المناهج، باعتبار أنه يتناول
بالدراسة إشكاليات متناثرة عبر مجالات مختلفة كالجانب الاجتماعي و النفسي و الاقتصادي و السياسي و
الانثروبولوجي .. و على هذا الأساس فقد لا تكفي تلك المناهج في دراسة بعض الإشكاليات منها.
يعتبر انتشار وسائل الإعلام و مضامينها، من المواضيع التي نالت قدراً كبيرا من الدراسة و البحث على أيدي العلماء و المختصين، كلن حاول تفسير طبيعة تأثير و أثر هذه المضامين و تلك الوسائل على الأفراد و طبيعة سلوكاتهم المختلفة، و تأكد أن جزء من هذه الأخيرة، ينتج من التفاعل بين الفرد و مضامين وسائل الإعلام، و سؤالنا هنا هو  إلى أي درجة يمكن اعتبار هذه النتائج ذات مصداقية بناء فقط على أدوات منهجية محدودة في إشكاليات معينة؟.
 
4 - أدوات التحليل: المناهج شيء و أدوات التحليل شيء آخر، و حتى و إن كانت الأولى لا تستغني عن الثانية إلا في حالات ناذرة، فإن أدوات التحليل قد تكون صالحة بغض النظر عن المنهج اُلمستعمل و هذا شيء نسبي يشترط تكييف الأداة أو الأدوات مع المنهج اُلمستعمل و خاصة بإشكالية و أهداف الدراسة،
بمعنى أن أدوات التحليل قد تصلح في كل المناهج بقدر من التعديل و التكييف من بحث إلى آخر، و على
كثرتها، علينا أن نضع التفسير أكثر إلى ما تحتاجه البحوث الإعلامية الاتصالية، أي الملاحظة بأنواعها، المقابلة، الاستبيان، و تحليل المضمون – على الأقل في الدراسات الإعلامية الاتصالية -. أكثر الأدوات انتشارا عندنا:
أ – الملاحظة:  هي عملية إدراكية يستعمل فيها الباحث قدراته الحسية عند تأمله لعناصر الظاهرة و كيفية
حدوثها يعتمد الباحث فيه على الربط بين جزء من الواقع الذي يلاحظه و بين ما تم التخطيط له في إشكالية و أهداف الدراسة، و لا تقتصر الملاحظة كما يقول سمير محمد حسين، على مجرد التسجيل السلبي للوقائع، إنما تتعدى ذلك إلى التدخل الإيجابي من العقل الذي يقوم بدور رئيسي في إدراك العلاقات المختلفة بين الظواهر، حيث يرى أن الملاحظة هي الاختيار، و الاستثارة والتسجيل، وتفسير مجموعة من السلوك و الأوضاع في ظروفها الطبيعية تفسيراً يتسق مع الأهداف العلمية.
 
ب – المقابلة: هي أداة يستعين بها البحث في جمع المعلومات الضرورية لبحثه من مختلف المصادر الحية التي تكون لها علاقة مباشرة بالظاهرة، بمعنى إجراء مقابلة مع الشخصيات الفاعلة في الظاهرة أو تلك التي لها علاقة غير مباشرة بالظاهرة و تكون معلوماتها فعالة في حدوثها أو تفسير بعض ملامحها
 
ج – الاستبيان: كما قد تُعرف بالاستمارة الاستبيانية أو الصحيفة الاستبيانية، و هي أداة هامة من أدوات جمع البيانات، يقوم على إثرها الباحث ببناء صحيفة تضم مجموعة من الأسئلة المرتبة لها علاقة بالظاهرة محل الدراسة، مبنية بصفة محكمة و تصب في مجملها إلى تفسير الإشكالية.
و تكمن قيمة الاستبيان في كونه يتطلب التوجه إلى الميدان و الاحتكاك بجمهور البحث و الاطلاع على مختلف الظروف التي يعيشها و كذا العوامل التي تؤثر فيه عند تعرضه للظواهر الإعلامية الاتصالية.
 
د – تحليل المضمون:  تُعد تقنية تحليل المضمون من أكثر التقنيات استعمالاً في بحوث الإعلام و الاتصال إلى جانب البحوث الاستطلاعية، و هي من بين الأدوات الأكثر رواجاً بين الباحثين في هذا الميدان، ليس هذا فقط بل و في العديد من الميادين المعرفية الأخرى، التي شهدت هي أيضاً حاجة ماسة لهذه التقنية على شاكلة العلوم السياسية و علم الآداب ... على ذلك الأساس، يُعد تحليل المضمون من التقنيات الخاصة بعنصر الرسالة، أي هي صالحة أكثر عند الحاجة لاستنطاق و فك رموز الرسالة الإعلامية الاتصال مهما كان نوعها وطبيعتها بل وحاملها أيضاً، و الإشارة هنا إلى ما يسميه البعض بالتحليل السيميولوجي الذي لا نرى ما يمكن أن يفصله عن تقنية تحليل المضمون باعتبارها أداة كاملة لمختلف أنواع المضامين (مكتوبة، مرئية، مسموعة، مسموعة مرئية)، ثم أن ما نعرفه عن "التحليل السيميولوجي" أن تقنياته غير مستقرة لدى العديد من المختصين في السيميولوجيا فقد نجد لكل باحث تحليله السيميولوجي الخاص به، و لذ فإن تحليل المضمون صالح لكل أنواع المضامين مهما كان نوعها فقط ينبغي على الباحث أن يكّيف إجراءاته مع طبيعة المادة المدروسة.
 
خاتمة
ليس خلال يوم دراسي واحد، يمكن أن نجيب عن كل الانشغالات التي تدور حول منهجية علوم الإعلام و الاتصال، لكن كان و لابد أن نبدأ على الأقل بهذه المبادرة و نأمل من طلابنا و باحثينا الاحتكاك أكثر بأستاذة المنهجية عندنا حتى و لو أنهم يختلفون في بعض التوجهات المنهجية، لكنها ليس رادكالية، المشكل فيما يطرحه غيرنا من توجهات منهجية، أقل ما يُقال عنها أنها غير واضحة المعالم في الكثير منها ثم أهم من ذلك ارتبطت في مجملها بتوجهات حضارية و اجتماعية خاصة بالمجتمعات التي أنتجتها، و هنا يكمن التناقض بين الظواهر الإعلامية الاتصالية التي تنتجها مختلف التفاعلات الإعلامية الاتصالية عندنا، و بين محاولة استيراد تلك الأطر المنهجية.
تنظيم البحوث خطوة أولى في سلسلة البحوث العلمية الناجحة، جزء يجعل التفكير في الخلفيات المعرفية و المنهجية التي ينبغي التعامل معها حتى يمكننا مواكبة التطورات العلمية و بخاصة علم الإعلام و الاتصال.
 

 

temmaryoucef1@hotmail.fr
temmaryoucef.ab.ma © 2017.Free Web Site