الاتصال و الإعلام، علم و مفاهيم


الاتصال و الإعلام، علم و مفاهيم.

أ. د. تمار يوسف.

 

يُعد الاتصال من أقدم أوجه النشاط الإنساني، فقد شهد الإنسان ظاهرة الاتصال في نفس الوقت الذي شهد فيه الحياة، إذ كان لزاماً للحفاظ على وجوده، الاحتكاك بالآخرين، و الدخول معهم في حياة اجتماعية تأمنه و تؤمن أسباب بقائه من مأكل و مشرب و مواجهة ظروف الطبيعة القاسية، و يعبر علماء الاجتماع عن هذه الطبيعة بكون الإنسان يريد دائماً أن يكون مع غيره و أن يعمل مع غيره أو أن يعيش في مجتمع و هذه الضرورة هي التي تخلق الشعور الجماعي (1)، و لاشك أن هذا الاحتكاك البدائي الذي نعبر عنه بالاتصال، لم يكن على شاكلة واحدة أو نمط موحد، بل تعددت صفاته و صوره من لغة و حركات و إشارات و حتى الإيماءات و اللباس .. فإنه اليوم أكثر تعقيداً بظهور وسائل حديثة تراكمت و تعددت عبر العصور التاريخية، فكانت كلما ظهرت وسيلة اتصالية جديدة إلا و أحدثت بحق ثورة على العلاقات الاجتماعية، و حتى و إن كانت أشكالها كثيرة و قديمة من حيث المد الزمني، فإن البداية كانت مع ظهور الطباعة في القرن 15 مما جعل بعض الباحثين يعتبرون هذا الاختراع بمثابة الثورة الأولى في تاريخ الاتصال، حيث أصبحت حوامل الكتابة، من الكتب، و الجرائد، و المجلات .. أكثر الوسائل انتشاراً لدى العام و الخاص، مما وسع من دائرة المعارف المتصلة بحياة الإنسان للإطلاع على ما يقوم به الآخرون من تجارب.

عقبت ثورة الطباعة ثورات أخرى ساهمت دورها في سهولة الاتصال البشري منها التلغراف و الراديو و السينما .. الخ.

 

1       إشكالية المفاهيم.

جرت العادة في محادثاتنا اليومية، بل حتى في بعض المنابر العلمية، أن نخلط بين "الاتصال" و "الإعلام" بالرغم من وجود فرق بينهما من حيث حجم المضمون و حجم الجمهور المخاطب و الهدف من كل منهما و في الحقيقة هناك اختلاف واضح، فإذا كان الأول يشير إلى الفعل الاجتماعي الذي يقوم به الثاني، فإن هذا الأخير يرتبط أكثر بوسائل الإعلام الجماهيرية لما لديه من خصائص تجعله جزء من الأول.

- الإعلام خاصية إنسانية تتم عبر تفاعل إنساني أي بين البشر بما يمتازون به من مميزات العقل و اللغة، أما الاتصال فهو أشمل يغطى الكائنات الأخرى في تفاعلها أيضاً و لكن بطبيعة خاصة.

- الاتصال أشمل من الإعلام من حيث مضمون كل منهما، لأنه يستعمل عدد قد يكون لا متناهياً من الوسائل، أما الإعلام فهو وظيفة وسائل الإعلام الجماهيرية من جرائد و إذاعة و تلفزيون.

- قد يقتصر الاتصال على طرفين في العلمية الاتصالية، من فرد إلى جماعة كإلقاء خطاب أمام حشد من الناس، بينما الإعلام يخاطب حشود كبيرة من الجماهير.

- أهداف الاتصال عديدة و متنوعة و عمليته شاملة، بينما العملية الإعلامية تعني الفعل المتمثل في إحاطة الجمهور بمعلومات عن الوقائع أو تقديم آراء بوساطة وسائل مبتكرة لهذا الغرض، نظمت كمؤسسات اجتماعية و تستخدم التكنولوجيا المعقدة لتبليغ رسائل إلى جمهور واسع بغرض الإعلام و التربية و الترفيه.

- الاتصال له مدلول اجتماعي، في حين أن الإعلام يقتصر على تقديم المعلومات و إحداث الأثر.

 

2       خصائص الإعلام.

يقول الأستاذ زهير إحدادن كلمة الإعلام مشتقة من العلم، تقول العرب استعلمه الخبر فأعلمه إياه يعني صار يعرف الخبر بعد أن طلب معرفته، فلغوياً يكون معنى الإعلام نقل الخبر (1).

و حتى يزداد وضوح الفرق بين الإعلام و الاتصال، نعرض خصائص الإعلام فيما يلي :

- يقتصر الإعلام في وظائفه، على وسائل الاتصال الجماهيرية أي الوسائل التي يمكن من خلالها نشر المعلومات لعدد كبير جداً من الأفراد يُقال لهم الجماهير.

- يأخذ الإعلام اتجاه واحد في تمرير المعلومات إلى الجماهير، ففي معظم الأحيان لا يستطيع هؤلاء رجع الصدى للتدخل في العملية.

- تصدر المعلومات في الإعلام عن مؤسسات ضخمة تقوم بجمع المعلومات و الأخبار ثم يتم توزيعها عبر وسائل الاتصال الجماهيرية إلى جمهور واسع.

 

الإعلام و الاتصال يقتحم ميدان العلم.

       بدأت الدراسات الإعلامية المعاصرة، عبر الدراسات الصحافية، إذ كانت الصحف أسبق وسائل الإعلام الأخرى و احتفظت لنفسها بهذه المكانة لفترات طويلة قبل أن تلتقط أجهزة الإعلام الأخرى كإذاعة و التلفزيون زمام الأمور لتسابق الصحافة في مكانتها من حيث التأثير المباشر و القوي على الرأي العام، و لم تخرج بحوث الصحافة في البداية عن الدراسات الوصفية أي تسجيل تاريخي للصحافة و اجتهادات محرريها التي لم تتبع في بادئ الأمر مبادئ أو نظريات علمية، و إنما خضعت على لتصورات فلسفية و افتراضات ذهنية قابلة بطبيعة الحال للخطأ و الصواب .

       و ظلت الدراسات الإعلامية المعاصرة دائمة التحديث و التطور بتطور الأجهزة و الوسائل الإعلامية خصوصاً بعد أن اتسعت الدائرة العلمية لعلوم الإعلام و الاتصال بإدخال الدراسات المتعلقة بالعلاقات الإنسانية عليها بوجه عام.

       اهتم الكثير من المفكرين و المختصين في العلوم الأخرى كعلم الاجتماع و التاريخ و العلوم السياسية و علم النفس.. بالدراسات الإعلامية، الأمر الذي يمكن تفسيره باتساع نطاق تلك الدراسات لتشمل العلوم الإنسانية و الاجتماعية المختلفة، و رغم ذلك لم تأخذ الدراسات الإعلامية الشكل المتخصص إلا منذ بداية الحرب العالمية الأولى، حيث ظهرت أهمية التأثير على الرأي العام بواسطة الدعاية المباشرة عن طريق وسائل الإعلام، مما أعطى دفعة قوية للباحثين في هذا المجال.

       و بدأت مناهج البحث التجريبي بالظهور لتشمل وسائل الإعلام الأخرى على جانب الصحافة، كإذاعة و التلفزيون التي انطلقت في التعرف على جمهورها و بدأ الاهتمام بالسينما و معرفة تأثير الأفلام على العامة من الناس.

       و على أية حال، فقد كانت الحرب العالمية الأولى فرصة طيبة للدراسات الإعلامية التي اهتمت أساساً بقياس الروح المعنوية للجنوب المحاربين و مشاكلهم كما اهتمت بمحاولة إيجاد أنجح نظام لسريان المعلومات و تداولها و تحليلها و الخروج بمؤشرات، و لهذا فإن الحرب العالمية الأولى تُعد بحق الحاضنة التي أنجبت الدراسات و النظريات الأساسية في الإعلام و التي مازالت تُعرض في قاعات التدريس بعد تنبهت الأذهان إلى أهميتها و قيمتها.

       و رغم كل هذا الجهد المتراكم من الخبرة و الرصيد الكبير من الممارسة، لم تستطع الدراسات الإعلامية لفترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، إنتاج نظرية إعلامية متكاملة فقد ضاع الجهد في قياسات الرأس العام و استنفذ الرصيد في تجميع المعلومات و تحليلها لأغراض محدودة دون الخروج بتنظير علمي يكون أساساً لعلوم الإعلام و الاتصال.

       و قد تكون الفائدة الكبير المثلى لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، أنها جلبت اهتمام الكثير من العلماء و المختصين في مجالات علم النفس و الاجتماع و الهندسة و الرياضيات على جوانب جديدة ترتبط بالإعلام و تتعلق بمنطلقاته، فقد ظهرت اكتشافات جديدة  مخترعات متطورة في هندسة الاتصالات و أصبح علم الإحصاء و تحليل المعلومات قاعدة أساسية لاتخاذ القرارات و زاد عمق علم النفس و اتسعت دائرة استخداماته في تحليل نفسية الفرد أمام مضامين وسائل الإعلام، و اهتم علماء الاجتماع أكثر بدراسة الاتصال الجماهيري الذي يمكن من خلاله السيطرة على سلوكات أفراد المجتمع و ما زال الطريق طويلاً أمام الباحثين و المهتمين بمجالات الإعلام و علومه و فنون

      

 



(1) زهير إحدادن، مدخل لعلوم الإعلام و الاتصال، الجزائر : ديوان المطبوعات الجامعية، 1984.، ص 10.

(1) نفس المرجع، ص 13.

temmaryoucef1@hotmail.fr
temmaryoucef.ab.ma © 2017.Free Web Site