وسائل الإعلام و السلطة


وسائل الإعلام و السلطة :

إشكالية الاعتراف المتبادل

أ.د. تمار يوسف

       تريد هذه المحاولة، لفت نظر المختصين في الإعلام و السياسة عندنا، إلى إشكالية عسى أن تصبح محل نقاش و تحليل في الدوائر العلمية، ذلك أننا نرى أنها تحتل من الأهمية ما يجعل استقرار أي نظام سياسي يتوقف على دراسة طبيعة العلاقة القائمة بين السلطة السياسية و وسائل الإعلام، من حيث تحديدها و تشخيصها، الأمر الذي قد يؤدي إلى فهم الكثير من أسباب الصراعات التي تظهر من حين إلى آخر بين السلطة السياسية و وسائل الإعلام.

       صحيح أن السلطة السياسة و وسائل الإعلام، من البني الأساسية في أي مجتمع، و لا داعي من سرد وظائف كل منهما حتى نتحقق من ذلك، فالتفاعل أصل الحركة، والحركة دليل على ديناميكية المجتمع، أما الصراع فهو ذلك الجانب اللاوظيفي في تلك الديناميكية، فلا يكاد يحدث حتى ينعكس على كل الوظائف الأخرى للمجتمع، باعتبار هذا الأخير مجموعة من الوظائف المرتبطة فيما بينها ارتباطاَ عضوياً، فأي خلل في أي وظيفة من وظائف الأعضاء المكونة له، ينعكس على كل الحركة، هذه النظرة تساعدنا عند دراسة أي علاقة في المجتمع، الإنطلاق من وظيفة كل طرف فيها، فما طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية و وسائل الإعلام ؟.

 

محددات دراسة الإشكالية.

       إذا كانت الإشكالية السابقة في مظهرها العام، غير جديدة في الأدبيات السياسية و الإعلامية لدى المختصين الغربيين*، فإنها حسب رأينا من بين أهم المواضيع التي يجب الاعتناء بها في الديمقراطيات الناشئة، و المقصود هنا، الأنظمة التي فتحت المجال السياسي للفاعلين الآخرين في المجتمع و على رأسها وسائل الإعلام، للمشاركة في عملية صنع القرار و مناقشة قضايا السياسية العامة و إبداء الرأي فيها، و هذا لسببين رئيسيين، ظهور وسائل الإعلام و خاصة الصحافة المكتوبة في النموذج الجزائري كقوة  يمكنها نقد النظام القائم و التدليل على أخطائه، و مزاحمته في وظائف كانت بالأمس القريب من المحضورات، ثم ظهور الصراع كمبدأ من مبادئ الديمقراطياات الحديثة في محاولة كسب الرأي العام و التأثير فيه، من خلال أساليب الدعاية و التسويق السياسي خاصة أثناء الحملات الانتخابية.. السبب الثاني هو أنه مهما كانت طبيعة هذه العلاقة، فإنها تنعكس بالضرورة على وظائف القطاعات الأخرى في المجتمع، باعتبار أن وسائل الإعلام الجماهيرية انعكاس للتفاعلات التي تنتج عن دينامكية العلاقات الاجتماعية و تأثر تأثيراً بالغ الأهمية على مصار و وظيفة كل قطاع.

       لعل التوجه الحاصل إلى حد الآن في فهم طبيعة العلاقة و محاولة تفسير أبعادها من قبل بعض الصحفيين و السياسيين، تنقصها الخلفية النظرية التي تحدد السياق الذي يتفاعل فيه كل طرف، و لذلك تبقى تلك التحاليل عبارة عن تكهنات ناتجة عن تفسير اعتباطي لتصرفات السلطة أو وسائل الإعلام في فضاء قار، و ليست نتاج وظائف تمليها طبيعة السياقات المختلفة التي تتفاعل فيها و معها تلك الأنظمة.

معنى هذا الطرح أنه يُفترض الانطلاق في التحليل،من كون أن السـلطة السياسيـة، تنتج أشكال عدة من التفاعلات، و حركيتها ما هي إلا انعكاس لطبيعة القواعد التي تحدد قوة و اتجاه ذلك التفاعل، و أن وسائل الإعلام تتحرك بدورها في مجال واسع من التفاعلات لها قواعدها أيضاً يُفسر وفقها كل تصرف تقوم به. و هما بأي حال من الأحوال ليسا نظامين منفصلين، ما دام أن النظام الذي تتحرك فيه السلطة السياسية هو نفسه النظام الذي تعمل فيه وسائل الإعلام، و على حد تعبير جون بول قروفيتش Jean Paul Gourevitch" الاتصال السياسي هو حدث ثقافي و حدث إجتماعي " 1 أي نظام اجتماعي عام.

و الإشكالية هي في اعتراف كل  منهما بدور و وظيفة الآخر ؟.

يرى ألان ستيك Alain stekkeأن الحقيقة الاجتماعية و التسيير السياسي، لم يعوداَ من التمثيل و الأساليب الموروثة عن الدولة-الأمة،و لا من المجتمع الصناعي، و هو يقصد بذلك أن الشرعية انتقلت من الطابع القانوني المؤسساتي إلى الطابع الوظيفي التمثيلي، بمعنى آخرأن تطور الاتصال السياسي، ارتبط أشد الارتباط بأزمة التمثيل خاصة في الديمقراطيات الغربية 2 ، مما أعطى استقلالية أكثر للرأي العام بالنسبة للسياسة، التي لم تصبح محل اهتمام بارز في الفضاء العمومي، و عُوضت بوظائف وسائل الإعلام الجماهيرية، التي أصبحت هي العارض الأساسي للقضايا السياسية، و عليه فإن الرأي العام يحكم على القضايا السياسية من خلال ما تقدمهوسائل الإعلام.

غير أن هذه الوضعية التي تحتلها وسائل الإعلام الجماهيرية، و عكس ما يبدو، وضعيةحساسةكما يرى ذلك دومينيك وولتنDominique WOLTONتقع بين المنطق التمثيلي للرأي العام، و منطق الفعل السياسي، و عليه يجب عليها الحفاظ على التوازن بين ثلاث أبعاد، الإعلام، الاتصال و التمثيل 3. بمعنى أنها تكون دائماً في إستعداد لتقديم المعلومات اللازمة للرأي العام، تنفتح عليه في مهمتها الاتصالية تاركة له المجال للتعبير، أو تكون لها القدرة على التعبير عنه، و في وظيفة ثالثة، القدرة على تمثيله - أي الرأي العام - في التفاعل بينها و بين السلطة السياسية، و هذه الأبعاد الثلاث هي التي تجعل من وسائل الإعلام السلطة الرابعة.

       تتحدد هذه المكانة و تلك الوظيفة، وفق عدة متغيرات، أهمها، طبيعة النظام السياسي، طبيعة النظام الاقتصادي و فلسفته، التي تمثل التطلعات و الانتقادات " 4 .. فعلى أي من هذه المتغيرات يمكن تحديد دور الصحافة في الجزائر؟.

 

النظام السياسي.

قبل تحليل النظام السياسي في بعده الاتصالي، كان و لابد أن نعرف المصود به، و هو ذلك الإطار الذي يجمع عناصر متصلة بالحكم و تنظيماته و بالجماعات السياسية و بالسلوك السياسي.

يمكن للنظام السياسي أن يتغير كما تتغير الأنظمة الأخرى في أي مجتمع، بل و هناك من يرى أن التغير خاصية من خصائص المرونة التي هي ميزة الأنظمة الحديثة، أو كما سماها إلفين توفلر القدرة على التكيف، لكن النظام السياسي ليس جهاز فقط، بل جهاز و وظيفة و ممارسة، و على هذا الأساس فإننا نرى أن النظام السياسي في الجزائر شهد التغيير في أجهزته و وظائفها، لكن الممارسة بقية على وثيرة بطيئة في التغيير، مما خلق نوع من التفاعل غير العادي بين النظام السياسي و الأتظمة الأخرى التي تحيط به، و التي تشهد تحولات سريعة، سواء في بناءها أو في وظيغتها، و حتى في ممارستها.

قبل النظام السياسي اللعبة الديمقراطية في شكلها التعددي منذ إقراره دستور 89، دفعته لذلك عدة متغيرات لا فائدة من إعادة ذكرها فقد كُتب الكثير حولها، المهم أن النظام السياسي إقتنع مجبراً أن الفوضى التي أفرزتها أحداث أكتوبر 1988      

         

 

 

إن العلاقة بين العملية الاتصالية والعملية السياسية هي علاقة وثيقة للغاية فكلا النظامين يتأثر بالآخر ويؤثر فيه ، وإن كان حجم التأثير الذي يمارسه النظام السياسي على نظام الاتصال في البلدان النامية أكبر من تأثير نظام الاتصال على النظام السياسي ، ويرتبط ذلك بسمات المجتمعات النامية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ،



الهوامش :

* سوف نستعين بالبعض منها، في سياق هذا المقال.

1 In : Yan ChantrelYan Chantrel, Communication de Nicolas Sarkozy a l'emission "100 minutes pour convaincre" Mémoire de Maîtrise d'Information et Communication,UNIVERSITE PARIS XIII - VILLETANEUSE

2AlainTouraine,Communication politique et crise de la représentativité.www.google.com, communication politique. 

3Dominique WOLTON, ( Les médias, maillon faible de la communication

Politique) HERMÈS, n° 4, 1998, P04.

4Jacque Le Bohec, Les rapports Presse-politique. Paris : Harmattan, 1997, p 5.

temmaryoucef1@hotmail.fr
temmaryoucef.ab.ma © 2017.Free Web Site