مواقع التواصل الاجتماعي


 

 

مواقع التواصل الاجتماعي ودورها في بناء الرأي العام.

 

بقلم: الأستاذ عمار عبدالرحمان

كلية علوم الإعلام والاتصال - جامعة الجزائر3

 

لم يكن في اعتقادي أنّ أحدا كان يتصوّر بأنّ موقعا للتواصل الاجتماعي على غرار  الفايسبوك، سيكونله بالغ الأثر في تغيير سياسة أمّة والإطاحة بنظام سياسي، ولم يكن أحدا  في اعتقادي يتصوّر مدى فعالية مثل هذه المواقع والتي كثيرا ما صنّفها البعض في خانة "  الدردشة" لا غير، إلاّ بعد أن شهد العالم ولأوّل مرّة ثورة حقيقية لم يكن أبطالها سوى شباب جمعتهم أروقة الفايسبوك والتويتر والمايس بايس واليوتيوب.

مواقع التواصل الاجتماعي، شكّلت بالنسبة للشباب فضاء مفتوحا أمّدهم بحرية التعبير  والتواصل في مابينهم، وألهمهم أفكارا تداولتها قنوات مواقع التواصل الاجتماعي، لتتشكل بذلك أولى معالم اللقاح الإلكتروني بمفهومه الواسع من منظور " مجتمع ما بعد الحداثة " خلافا لما يتداول في الأوساط الرّسمية على أنّ غالبية الشباب ينصب تركيزهم على المواقع الترفيهية وغرف المحادثة.إنّها ثورة تكنولوجية بكل المقاييس، فالمواقع التي كان يخيّل للبعض أنّها مجرد فضاءات للدردشة ، حطّمت كل التكهنات وفصحت عن حقيقتها و نجاعتهان حتى وإن كانت في عالم الإفتراض."يعيش عالم اليوم ثورة حقيقية للجيل الثاني من الانترنت وصلت حسب تقدير الفقهاء النفسانيين وعلماء الاتصال مرحلة " الإنقلاب الإجتماعي" فلقد انقلبت الموازين والمعايير الاجتماعية برمتها، بفعل التدفق المعلوماتي الهائل أمام شباب اليوم، من خلال مواقع التواصل الاجتماعية، والتي أصبحت بفعل مميزاتها معتنق الجميع ".      

  عالم أصبح يتصف بانتشار الشعور بالذاتية وقدرة الفرد على التأثير في عالم مفتوح، من خلال وسائل تعبير منخفضة التكاليف وواسعة الانتشار.كما يتسم بالتنوع اللامتناهي في الرسائل الإعلامية والمحتوى الإعلامي.

 

ظهرت المواقع الاجتماعية في أواخر القرن العشرين واعتمدت على فتح صفحات شخصية للمستخدمين وعلى إرسال رسائل لمجموعة من الأصدقاء لكنه تم إغلاقها لأنها لم تأتِ بأرباح لمالكيها، ومع الألفية الثالثة تمّ فتح العديد من المواقع التي انتشرت بسرعة البرق  وضمّت عددا هائلا من المشتركين يعدّون اليوم بمئات الملايين.

وقد تعددت أنواع  الشبكات الاجتماعية فهناك شبكات تجمع أصدقاء الدراسة و أخرى تجمع أصدقاء العمل بالإضافة لشبكات التدوينات المصغرة، و من أشهر الشبكات الاجتماعية الموجودة حالياً: الفيسبوك و الماي سبيس و التويتر و هاي فايف واليوتيوب وغيرها.

ويذهب الكثير من فقهاء الاتصال، إلى اعتبارالمواقع الاجتماعية ، منظومة من الشبكات الالكترونيّة التي تسمح لمشتركيها بإنشاء مواقع خاصة بها، و من ثم ربطها من خلال نظام اجتماعي إلكتروني مع أعضاء آخرين لديهم نفس الاهتمامات والهوايات.

وقد ذهب الكثير من المهتمين بالمجال الالكتروني إلى تصنيف هذه المواقع ضمن مواقع  الجيل الثاني للويب ( ويب 2.0 ) وأطلق عليها تسمية " إجتماعية " لأنها  أتت من مفهوم "بناء مجتمعات " بهذه الطريقة يستطيع المستخدم التعرف إلى أشخاص لديهم إهتمامات مشتركة في تصفح الإنترنت والتعرف على المزيد من المواقع في المجالات التي تهمه.

لا يمكننا فصل التواصل عن بناء الرأي العم، لأنّ حقيقة مواقع التواصل الاجتماعي تُبنى على أساس تشكيل رأي عام محلي ودولي، وأثناء الحديث عن التواصل لابد من استحضار بعض العناصر الأساسية في عملية التبادل.

وهذه العناصر هي:

1-  زمنية التواصل  temporalité 

2-  المكانية أو المحليةlocalisation

3-  لغة التواصل( التشفير والتفكيك)   code

4-  السياق  contexte

5-  رهانات التواصلenjeux de communication 

6- التواصل اللفظي( اللغة المنطوقة) والتواصل غير اللفظي). communication verbale et non verbale

7-  إرادة التواصل  volonté de communication    

8- رجع الصدى feed back

9-  شبكة التواصل.réseau     

إذا كان الإنسان في حياته اليومية يؤثر ويتأثر، فإنّ ذلك له معنى واحد: أنّه يعيش حياة  طبيعية لا تشوبها شائبة ولا يعكّر صفوها أيّ عائق خارجي، وبالنظر لهذا المعنى فإنّ الفايس  بوك تعدّى المحيطالإجتماعي بولوجه عالم الافتراض، فانتزع من مشتركيه حياتهم الاجتماعية، في محاولة لاستبدالها بالوسط الافتراضي القائم على أساس التواصل البعدي داخل شبكة عنكبوتية.

شبكة أحكمت حياكة خيوطها، فلم يعد بوسع من دخلها الخروج منها لتعقّد معادلاتها وسحر بياناتها وروعة جدرانها التي ترسم أجمل الكلمات واللوحات الاتصالية دون قيد أو شرط، فلم يعد لمتعقبها من سبيل للخروج منها، فقد سكنت كيانه وأبهرت عيونه ولاح في أفقها عالم شبيه بالبرزخ..فأبان بذلك عن قدرة خارقة لبناء رأي عام يستغله كيفما شاء ووقت ما شاء، ولعلّ أبرز الأمثلة التي يمكن أن نسوقها في هذا المقام هو ما اصطلح على تسميته بـ " الربيع العربي".، فقد قامت ثورة "الياسمين" بتونس على خلفية التواصل باستعمال "جدران" الفايسبوك من لدن شباب يقال أنّ  معدّل أعمارهم لم يتجاوزالـ 25 سنة وعددهم وصل إلى مليون ونصف المليون مشترك حسب الإحصائيات التي قدّمتها مراكز خاصّة بالإحصاء وسبر الآراء، كما قامت ثورة "جمعة الرحيل" بمصر على خلفية تداعي الرسائل المتبادلة بين مشتركي الفايسبوك والداعية للتظاهر من أجل الإطاحة بالنظام القائم بعد أن تمكّنت من التقنية الحديثة فكان موقع الفايسبوك فضاء خصبا للشباب المصري، الذي جعل من هذه القناة الاتصالية منبرا لتبادل الآراء وإدارة الندوات والملتقيات بأنماط افتراضية،  ممّا لا شك فيه أنّ شبكات التواصل الاجتماعي، قد اجتازت كلّ الحدود والمعوّقات الاتصالية، فبات من الواضح أنّها أصبحت تؤثّر بشكل فعال في الحياة الفردية والاجتماعية سواء بالسلب أو بالإيجاب، ومن أهم تلك التأثيرات نورد ما يلي:

1-  التفكك الاجتماعي:

2-  ضعف الروابط الأسرية:

3-  انتشار المجتمع الافتراضي

4-  إنتشار العقل الافتراضيى

5-تراجع وتيرة التفكير والإبداع:

إنّ المكانة التي بلغتها شبكات التواصل الاجتماعية والفايسبوك بشكل خاص، جعلتها في مصاف " قادة الرأي" فهي الموجّه والمنظّر والمحرّض في الوقت ذاته، كونها تستقطب مئات الملايين من المستخدمين، الذين تحوّلوا في أقل من عشرية واحدة إلى مواطنين افتراضيين ينتمون لتلك المواقع بصفة شبه تامّة، يحدث كل هذا أمام غياب القادة الحقيقيين للرأي العام سواء الداخلي أو الدولي، وفي هذا الصدد يرى بعض الباحثين ،أنّ وسائل التواصل الاجتماعي أصبح لها أثر واضح في تشجيع المواطنين على المشاركة السياسية، حيث توفر هذه الوسائل الفرصة لمزيد من الفهم لحقوق المواطنة، وتعمق إدراك المواطنين لقضاياهم، بينما يرى آخرون أنّ هذه الوسائل تسهم في نشر الشائعات والمعلومات السياسية المغلوطة، وتجعل الشباب أسير فكرة " الاحتجاج الإلكتروني" عوضا عن الإسهام الإيجابي الفعّال في خدمة وطنهم.

 

خاتمة

إنّ الاتفاق السائد اليوم، يؤكّد على مكانة مواقع التواصل الاجتماعي، التي باتت ذات مكانة بارزة في بناء الرأي العام والتحكم فيه، من خلال نظم تسيير هذه المواقع، التي توجّه الرأي العام حسب ما تمليه الاحتياجات الخاصة بها، لكن يبقى لنا أن نقول بأنّ عملية التوجيه وبناء رأي عام من لدن مواقع التواصل الاجتماعي، ليست بالضرورة سلبية، بل هي بحاجة إلى ترشيد وتوجيه وضبط.

 

 

temmaryoucef1@hotmail.fr
temmaryoucef.ab.ma © 2017.Free Web Site